تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
فِي الْقُبُورِ
فيجازيهم بأعمالهم إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وأن ذلك كائن لا محالة ، والحاصل أنّه تعالى ذكر أسبابا خمسة ، الثلاثة الأول مؤثرة ، والأخيران غير مؤثرين .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي
شأن
اللَّهِ
كقول من قال : إن الملائكة بنات اللّه والمسيح ابن اللّه وعزيرا ابن اللّه ، قيل نزلت في النضر بن الحارث وقيل في أبي جهل ، وقيل في رجل من بني عبد الدار ، قاله ابن عباس ، وقيل هي عامة لكل من يتصدى لإضلال الناس وإغوائهم وعلى كل حال فالاعتبار بما يدل عليه اللفظ وإن كان السبب خاصا . والمعنى ومن الناس فريق يجادل في اللّه فيدخل في ذلك كل مجادل في ذات اللّه أو صفاته أو شرائعه الواضحة
بِغَيْرِ عِلْمٍ
أي كائنا بغير علم ، قيل والمراد بالعلم هو العلم الضروري
وَلا هُدىً
وهو العلم النظري الاستدلالي ؛ لأن الدليل يهدي إلى المعرفة ، والأولى حمل العلم على العموم وحمل الهدى على معناه اللغوي وهو الإرشاد .
وَلا كِتابٍ
أي وحي
مُنِيرٍ
وهو القرآن ، والمعنى أنه يجادل من غير مقدمة ضرورية ولا نظرية ولا سمعية والعلم للإنسان من أحد هذه الوجوه الثلاثة والمنير : النير البيّن الحجة الواضح البرهان ، وهو إن دخل تحت قوله بغير علم فإفراده بالذكر كإفراد جبريل بالذكر بعد ذكر الملائكة وذلك لكونه الفرد الكامل الفائق على غيره من أفراد العلم ، وأما من حمل العلم على الضروري والهدى على الاستدلالي ، فقد حمل الكتاب هنا على الدليل السمعي فتكون الآية متضمنة لنفي الدليل العقلي ضروريا كان أو استدلاليا ، ومتضمنة لنفي الدليل النقلي بأقسامه وما ذكرناه أولى . قيل والمراد بهذا المجادل في هذه الآية هو المجادل في الآية الأولى أعني قوله :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ
[ الحج : 3 ] وبذلك قال كثير من المفسرين والتكرير للمبالغة في الذم ، كما تقول لرجل تذمّه وتوبّخه : أنت فعلت هذا ! أنت فعلت هذا ! ويجوز أن يكون التكرير لكونه وصفه في كل آية بزيادة ما وصفه به في الآية الأخرى ، وقيل الآية الأولى واردة في المقلّدين اسم فاعل ، والثانية في المقلّدين اسم مفعول ، ذكره الزمخشري وقال وهو أوفق وأظهر بالمقام انتهى . ولا وجه لهذا كما أنه لا وجه لقول من قال إن الآية الأولى خاصة بإضلال المتبوعين لتابعيهم ، والثانية عامة في كل إضلال وجدال .
ثانِيَ عِطْفِهِ
حال أي لاوي عنقه ، قال قتادة ، وعن ابن عباس والسدي وابن زيد وابن جريج أنه المعرض والعطف الجانب وعطفا الرجل جانباه من يمين وشمال ، وفي تفسيره وجهان : الأول : أن المراد به من يلوي عنقه مرحا وكبرا ذكر معناه الزجاج قال : وهذا
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 451 | صديق الحسيني القنوجي البخاري