لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثا على التقوى التي هي أنفع زاد فقال :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ
أي احذروا عقابه بفعل ما أمركم به من الواجبات وترك ما نهاكم عنه من المحرمات ؛ ولفظ الناس يشمل جميع المكلفين من الموجودين ومن سيوجد على ما تقرر في موضعه ، وقد قدمنا طرفا من ذلك في سورة البقرة .
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
تعليل لما قبله من الأمر بالتقوى ، والزلزلة شدة الحركة والازعاج ، وأصلها من زل عن الموضع ، أي زال عنه وتحرك ، وزلزل اللّه قدمه أي حركها ، وتكرير الحرف يدل على تأكيد المعنى ، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله ، ومفعوله محذوف تقديره الأرض ، ويكون إسناد الزلزلة إلى الساعة على سبيل المجاز العقلي ، وهي على هذا الزلزلة التي هي إحدى أشراط الساعة التي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة ، هذا قول الجمهور ، أو إلى الظرف لأنها تكون فيها ، كقوله :
بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
[ سبأ : 33 ] ، ووقتها يكون يوم القيامة .
وقيل إنها تكون في النصف من شهر رمضان ، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها . ولا حجة فيها للمعتزلة في تسمية المعدوم شيئا ، فإن هذا اسم لها حال وجودها . وقيل في التعبير عنها بالشيء : إيذان بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها .
وقد أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي والحاكم وصححه وغيرهم ، عن عمران بن حصين قال : لما نزلت
يا أَيُّهَا النَّاسُ
- إلى قوله -
عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
، أنزلت عليه هذه وهو في سفر فقال : أتدرون أي يوم ذلك ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم قال : ذلك يوم يقول اللّه لآدم : ابعث بعث النار ، قال : يا رب وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحدا إلى الجنة ، فأنشأ المسلمون يبكون ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « قاربوا وسددوا وأبشروا فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية ، فتؤخذ العدة من الجاهلية ، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين . وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير » .
ثم قال : « إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، فكبّروا . ثم قال : إني لأرجو