تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
وقيل : إن دودة سقطت من لحمه فأخذها وردها في موضعها فأكلت منه فصاح مسني الضر . وقيل : كانت الدود تناول بدنه فيصبر حتى تناولت دودة قلبه . وقيل : إنه ضره قول إبليس لزوجته اسجدي لي ، فخاف ذهاب إيمانها ، وقيل : إنها تقذره قومه ؛ وقيل : أراد بالضر الشماتة ، وقيل غير ذلك . وأخرج ابن عساكر والديلمي وابن النجار عن عقبة بن عامر قال ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : قال اللّه لأيوب : « تدري ما جرمك عليّ حتى ابتليتك ؟ قال لا يا رب ، قال لأنك دخلت على فرعون فداهنت عنده في كلمتين » . وعن ابن عباس قال : إنما كان ذنب أيوب أنه استعان به مسكين على ظالم يدرؤه فلم يعنه ولم يأمر بالمعروف ولم ينه الظالم عن ظلم المسكين فابتلاه اللّه ، وفي إسناده جويبر ، ولما نادى ربه متضرعا إليه وصفه بغاية الرحمة فقال :
وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
وألطف في السؤال ولم يصرح بالمطلوب فكأنه قال أنت أهل أن ترحم وأيوب أهل أن يرحم فارحمه واكشف عنه الضر . قيل وإنما شكا إليه تلذذا بالنجوى منه لا تضررا بالشكوى ، والشكاية إليه غاية القرب ، كما أن الشكاية منه غاية البعد ، فأخبر اللّه سبحانه باستجابته لدعائه فقال :
فَاسْتَجَبْنا لَهُ
نداءه الذي في ضمنه الدعاء
فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ
أي شفاه اللّه مما كان به وأعاده بما ذهب عليه . وقال له اركض برجلك فركض فنبعت عين ماء ، فأمره أن يغتسل منها ، ففعل فذهب كل داء كان بظاهره ، ثم مشى أربعين خطوة ، فأمره أن يضرب برجله الأرض مرة أخرى ففعل فنبعت عين ماء بارد ، فأمره أن يشرب منها ، فشرب فذهب كل داء كان بباطنه ، فصار كأصح ما كان . عن عبد اللّه بن عبد بن عمير قال : كان لأيوب أخوان جاءا يوما فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه فقام من بعيد ، فقال أحدهما للآخر : لو كان علم اللّه من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا ، فجزع أيوب من قولهما جزعا لم يجزع من شيء قط مثله ، فقال : اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعانا وأنا أعلم مكان جائع فصدقني ، فصدق من السماء وهما يسمعان . ثم قال : اللهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصا قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان ، ثم خر ساجدا وقال : اللهم بعزتك لا أرفع رأسي حتى تكشف عني ، فما رفع رأسه حتى كشف اللّه عنه ، وقد رواه ابن أبي حاتم مرفوعا بنحو هذا .
وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ
قيل تركهم اللّه عز وجل وأعطاه مثلهم في الدنيا . قال النحاس : والإسناد بذلك صحيح ، وقد كان مات أهله جميعا إلا امرأته فأحياهم