ويقدر على الكلام ويفهم ما يقال له فيجيب عنه بما يطابقه ، وفيه تقديم جواب الشرط ، أراد عليه السلام أن يبين لهم أن من لا يتكلم ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله ، فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست بآلهة ، لأنهم إذا قالوا إنهم لا ينطقون ، قال لهم فكيف تعبدون من يعجز عن النطق ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه ؟ فهذا الكلام من باب فرض الباطل مع الخصم حتى تلزمه الحجة ويعترف بالحق ، فإن ذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته . وإنما قال : ينطقون ولم يقل يسمعون أو يعقلون ، مع أن السؤال موقوف على السمع والعقل أيضا ، لما أن نتيجة السؤال الجواب ، وأن عدم نطقهم أظهر في تبكيتهم .
فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ
أي رجع بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع عن حجته المتفطن لصحة حجة خصمه المراجع لعقله . وذلك أنهم تنبهوا وفهموا عند هذه المقاولة بينهم وبين إبراهيم ، أن من لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإضرار بمن فعل به ما فعله إبراهيم بتلك الأصنام يستحيل أن يكون مستحقا للعبادة ولهذا
فَقالُوا
أي قال بعضهم لبعض .
إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ
لأنفسكم بعبادة هذه الجمادات ، وليس الظالم من نسبتم إليه الظلم بقولكم إنه لمن الظالمين
ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ
أي رجعوا إلى جهلهم وعنادهم ، شبه سبحانه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه . وقيل المعنى أنه طأطأوا رؤوسهم خجلة من إبراهيم ، وهو ضعيف لأنه لم يقل نكسوا رؤوسهم بفتح الكاف ؛ وإسناد الفعل إليهم حتى يصح هذا التفسير ، بل قالوا نكسوا على رؤوسهم ، وقرىء نكّسوا بالتشديد وأنه لغة من المخفف ، فليس التشديد لتعدية ولا تكثير .
ثم قالوا بعد أن نكسوا مخاطبين لإبراهيم
لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ
أي لقد علمت أن النطق ليس من شأن هذه الأصنام فكيف تأمرنا بسؤالهم ؟ وما هذه حجازية أو تميمية .
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 66 إلى 72 ]
قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ( 66 ) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 67 ) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 68 ) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ( 69 ) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ ( 70 )
وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ ( 71 ) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ ( 72 )
قالَ
إبراهيم مبكتا لهم ومزريا عليهم
أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي بدله
ما