قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ
فقلدناهم واقتدينا بهم أجابوه بهذا الجواب الذي هو العصا التي يتوكأ عليها كل عاجز والحبل الذي يتشبث به كل غريق ؛ وهو التمسك بمجرد تقليد الآباء أي وجدنا آباءنا يعبدونها ، فعبدناها اقتداء بهم ومشيا على طريقتهم .
وهكذا يجيب هؤلاء المقلدة من أهل هذه الملة الإسلامية فإن العالم بالكتاب والسنة إذا أنكر عليهم العمل بمحض الرأي المدفوع بالدليل ، قالوا : هذا قد قال به إمامنا الذي وجدنا آباءنا له مقلدين وبرأيه آخذين ، قال الحفناوي : أي فلم يكن جوابهم إلا التقليد انتهى ، وجوابهم هو ما أجاب به الخليل ههنا .
قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
أي في خسران واضح ظاهر لا يخفى على أحد ، ولا يلتبس على ذي عقل ، فإن قوم إبراهيم عبدوا الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تبصر ، وليس بعد هذا الضلال ضلال ، ولا يساوي هذا الخسران خسران ، قال النسفي : أراد أن المقلّدين والمقلّدين منخرطون في سلك ضلال ظاهر وأكد ب
أَنْتُمْ
ليصح العطف لأن العطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع . انتهى .
أقول : وهؤلاء المقلّدة من أهل الإسلام استبدلوا بكتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم كتبا قد دونت فيها اجتهادات عالم من علماء الإسلام زعم أنه لم يقف على دليل يخالفها إما لقصور منه أو لتقصير في البحث فوجد ذلك الدليل من وجده وأبرزه واضح المنار كأنه علم في رأسه نار ، وقال هذا كتاب اللّه أو هذه سنة رسوله وأنشدهم :
دعوا كل قول عند قول محمد * فما آمن في دينه كمخاطر
فقالوا كما قال الأول :
وهل أنا إلا من غزيّة إن غوت * غويت وإن ترشد غزيّة أرشد « 1 »
وقد أحسن من قال :
يأبى الفتى إلا اتباع الهوى * ومنهج الحق له واضح
قال البيضاوي : والتقليد إن جاز فإنما يجوز لمن علم في الجملة أنه على الحق ثم لما سمع أولئك مقالة الخليل .
قالُوا أَ جِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ
أي أجادّ أنت فيما تقول أم أنت
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لدريد بن الصمة في ديوانه ص 47 ، والأصمعيات ص 107 ، والأغاني 10 / 9 ، وخزانة الأدب 11 / 278 ، 279 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 815 ، وشرح شواهد المغني 2 / 938 ، والشعر والشعراء 2 / 754 ، ولسان العرب ( غزا ) ، ( غوى ) ، وبلا نسبة في جواهر الأدب ص 36 ، ومغني اللبيب 2 / 650 .