قال الزجاج : قسط مصدر يوصف به ، تقول : ميزان قسط ، وموازين قسط ؛ والمعنى ذوات قسط ، والقسط العدل وصف به الموازين ، لأن الميزان قد يكون مستقيما ، وقد يكون غير مستقيم ، فبين اللّه أن تلك الموازين تجري على حد العدل .
وقرىء القصط بالصاد والطاء ، وأما ماهية جرمه من أي الجوهر ، وأنه موجود الآن أو سيوجد فنمسك عن تعيينه ولا يكون الوزن في حق كل أحد ، لأن من لا حساب عليه لا يوزن له كالأنبياء والملائكة ، والوزن يكون للمكلفين من الجن والإنس ، وقد يوزن العبد نفسه « كما ورد عن النبي ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) لرجل عبد اللّه بن مسعود ، في الميزان أثقل من جبل أحد » « 1 » و « من مات له ولد يجعل ذلك الولد في الميزان » « 2 » وكيفيته ثقلا وخفة مثلها في الدنيا .
فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً
أي لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسيء
وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ
أي إن كان العمل المدلول عليه بوضع الموازين مثقال حبة ، كذا قال الزجاج .
وقال أبو علي الفارسي : وإن كان الظلامة مثقال حبة ، قال الواحدي : وهذا أحسن لتقدم قوله : فلا تظلم نفس شيئا ، وقرىء برفع
مِثْقالَ
على أن كان تامة أي إن وقع أو إن وجد مثقال حبة ، ومثقال الشيء ميزانه أي وإن كان في غاية الخفة والقلة والحقارة ، فإن حبة الخردل مثل في الصغر .
أَتَيْنا بِها
أي أحضرناها وجئنا بها أي بموزونها للمجازاة عليها ، وقرىء آتينا بالمد على معنى جازينا بها يقال آتى يؤاتي مؤاتاة جازى
وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
أي محصين في كل شيء ، والحسب في الأصل معناه : العدّ ، وقيل عالمين لأن من حسب شيئا علمه وحفظه ، وقيل مجازين على ما قدموه من خير وشر والغرض منه التحذير ، فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن يشتبه عليه شيء ، وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون على أشد الخوف منه .
وقد أخرج أحمد والترمذي وابن جرير في تهذيبه والبيهقي وغيرهم عن عائشة أن رجلا قال : يا رسول اللّه إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم ، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك ، وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا عليك ولا لك ، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل » فجعل الرجل يبكي ويهتف ، فقال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) « أما تقرأ
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 114 ، 421 ، 5 / 131 .
( 2 ) أخرجه البخاري في الجنائز ، باب 6 .