تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
تدركون مزايا الكلام ولطائفه ، وتفهمون ، من بلاغة القرآن ما لا يدركه غيركم ؛ مع أن فيه شرفكم وصيتكم . كما يشير إليه لفظ الذكر على ما سبق ، فلو أنكره غيركم لكان ينبغي لكم مناصبته ، وتقديم الظرف على المتعلق دال على التخصيص أي أفأنتم للقرآن خاصة دون كتاب اليهود فإنهم كانوا يراجعون اليهود ، فيما عنّ لهم من المشكلات .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 51 إلى 57 ]

وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ ( 51 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ ( 52 ) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ ( 53 ) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 54 ) قالُوا أَ جِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ ( 55 ) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 56 ) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ( 57 )
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ
أي الرشد اللائق به ، وبأمثاله من الرسل الكبار ، وهو الاهتداء الكامل المستند إلى الهداية الخاصة الخالصة بالوحي ، والاقتدار على إصلاح الأمة باستعمال النواميس الإلهية ، وقال مجاهد : هديناه صغيرا .
مِنْ قَبْلُ
أي قبل إيتاء موسى وهارون التوراة ، أو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال الفراء : أي أعطيناه هداه من قبل النبوة والبلوغ أي وفقنا للنظر والاستدلال لما جن عليه الليل فرأى الشمس والقمر والنجم ، وعلى هذا أكثر المفسرين وبالأول قال أقلهم .
وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ
أي أنه موضع لإيتاء الرشد وأنه يصلح لذلك
إِذْ
أي اذكر حين
قالَ لِأَبِيهِ
آزر
وَقَوْمِهِ
نمروذ ومن اتبعه
ما هذِهِ التَّماثِيلُ
وهي الصور والأصنام ، قاله مجاهد ، وفيه تجاهل لهم ليحقر آلهتهم مع علمه بتعظيمهم لها . وأصل التمثال : الشيء المصنوع المشابه لشيء من مخلوقات اللّه سبحانه ، يقال مثّلت الشيء بالشيء إذا جعلته مشابها له ، واسم ذلك الممثّل تمثال ، وهو الصورة المصنوعة من رخام أو نحاس أو خشب شبيهة بخلق الآدمي أو غيره من الحيوانات وأنكر عليهم عبادتها بقوله :
الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ
العكوف عبارة عن اللزوم والاستمرار على الشيء لغرض من الأغراض ، واللام في لها للاختصاص ، ولو كانت للتعدية لجيء بكلمة على أي ما هذه الأصنام التي أنتم مقيمون على عبادتها ؟ وقيل : إن العكوف مضمن معنى العبادة وكانت تلك الأصنام اثنين وسبعين صنما ، بعضها من ذهب وبعضها من فضة ، وبعضها من حديد ، وبعضها من رصاص ، وبعضها من نحاس وبعضها من حجر ، وبعضها من خشب ، وكان كبيرها من ذهب مكللا بالجواهر في عينيه ياقوتتان متقدتان تضيآن في الليل .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 412 | صديق الحسيني القنوجي البخاري