تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
وختم الآية بالأمر لعباده فقال :
فَاعْبُدُونِ
فقد اتضح لكم دليل العقل ودليل النقل ، وقامت عليكم حجة اللّه .
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً
هؤلاء القائلون هم خزاعة وجهينة وبنو سلمة وبنو مليح ، فإنهم قالوا الملائكة بنات اللّه ، وقيل : هم اليهود ، ويصح حمل الآية على كل من جعل للّه ولدا . وقد قالت اليهود عزير ابن اللّه ، وقالت النصارى المسيح ابن اللّه . وقالت طائفة من العرب : الملائكة بنات اللّه ، ثم نزه اللّه سبحانه عز وجل نفسه فقال :
سُبْحانَهُ
أي تنزيها له عن ذلك ، وهو يقول على ألسنة العباد ؛ ثم أضرب عن قولهم وأبطله فقال :
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ
قرىء من الإكرام والتكريم ؛ أي ليسوا كما قالوا ، بل عباد اللّه سبحانه مكرمون بكرامته لهم مقربون عنده ، والعبودية تنافي الولادة بحسب المعتاد الذي لا يتخلف عند العرب من كون عبد الإنسان لا يكون ولده ، أو بحسب قواعد الشرع من أن الإنسان إذ ملك ولده عتق عليه ، والأول في تقرير المنافاة أظهر إذ الكلام مع جهال العرب وهم لا يعرفون قواعد الشرع . قال قتادة : قالت اليهود إن اللّه صاهر الجن فكانت بينهم الملائكة ، فقال اللّه تكذيبا لهم :
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ
أي الملائكة أكرمهم بعبادته واصطفاهم ووصفهم بصفات سبعة ؛ الأولى هذه والأخيرة . ومن يقل منهم . فهذه الضمائر كلها للملائكة .
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ
وصفهم بصفة أخرى ، أي لا يقولون شيئا حتى يقوله أو يأمرهم به ، كذا قال ابن قتيبة وغيره ، وفي هذا دليل على كمال طاعتهم وانقيادهم
وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
أي هم القائمون بما يأمرهم اللّه به ، التابعون له المطيعون لربهم فلا يخالفونه قولا ولا عملا .
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
أي ما عملوا وما هم عاملون . وقيل ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم ، أو يعلم ما بين أيديهم . وهو الآخرة وما خلفهم ، وهو الدنيا ، والجملة تعليل لما قبلها ، ووجه التعليل أنهم إذا علموا بأنه عالم بما قدموا وأخروا لم يعملوا عملا ولا يقولوا قولا إلا بأمره .
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
أن يشفع الشافعون له وهو ممن رضي عنه وقيل : هم أهل لا إله إلا اللّه ، وقد ثبت في الصحيح . أن الملائكة يشفعون في الدار الآخرة « 1 » ، قال قتادة : لأهل التوحيد ، وعن مجاهد نحوه ، وعن الحسن : لمن قال لا إله إلا اللّه ، وقال ابن عباس : الذين ارتضاهم بشهادة أن لا إله إلا اللّه .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 24 ، وأحمد في المسند 5 / 43 .