تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
سوى اللّه ولا سبيل لهم إلى شيء من ذلك لا من عقل ولا نقل لأن دليل العقل قد مر بيانه ، وأما دليل النقل فقد أشار إليه بقوله :
هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي
أي هذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع ، ذكر أمتي وذكر الأمم السالفة وقد أقمته عليكم وأوضحته لكم ، فأقيموا أنتم برهانكم . وقيل المعنى هذا القرآن وهذه الكتب التي أنزلت قبلي ، فانظروا هل في واحد منها أن اللّه أمر باتخاذ إله سواه ؟ . قال الزجاج : قيل له هاتوا برهانكم بأن رسولا من الرسل أنبأ أمته بأن لهم إلها غير اللّه ، فهل في ذكر من قبلي إلا توحيد اللّه ، وفيه تبكيت لهم متضمن لإثبات نقيض مدعاهم . وقيل معنى الكلام الوعيد والتهديد ؛ أي افعلوا ما شئتم فعن قريب ينكشف الغطاء . وقرىء ذكر من معي بالتنوين وكسر الميم ، أي هذا ذكر مما أنزل إليّ ومما هو معي وذكر من قبلي ، قاله الزجاج . وقيل ذكر كائن من قبلي ، أي جئت بما جاءت به الأنبياء من قبلي . ثم لما توجهت الحجة عليهم ذمهم بالجهل بمواضع الحق فقال :
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ
وهذا إضراب من جهة اللّه سبحانه غير داخل في الكلام الملقن وانتقال من تبكيتهم بمطالبتهم بالبرهان إلى بيان أنه لا تؤثر فيهم المحاجة وإقامة البرهان لكونهم جاهلين للحق لا يميزون بينه وبين الباطل ، وقرىء الحق بالرفع على معنى هذا الحق أو هو الحق .
فَهُمْ مُعْرِضُونَ
تعليل لما قبله من كون أكثرهم لا يعلمون . أي فهم لأجل هذا الجهل المستولي على أكثرهم معرضون عن قبول الحق وعن النظر الموصل إليه ، مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول ، فلا يتأملون حجة ولا يتدبرون في برهان ولا يتفكرون في دليل .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 25 إلى 29 ]

وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ( 25 ) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ( 26 ) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ( 27 ) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ( 28 ) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 29 )
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ
استئناف مقرر لما أجمل قبله من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الإلهية وأجمعت عليه الرسل ، وقرىء نوحي بالنون وبالياء
أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
وفي هذا تقرير لأمر التوحيد وتأكيد لما تقدم من قوله :
هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ
.