حجة تامة في مسألة التوحيد ، والفساد لازم على كل التقديرات التي قدروها ، وإذا وقفت على هذه عرفت أن جميع ما في العالم العلوي والسفلي من المحدثات والمخلوقات فهو دليل على وحدانية اللّه تعالى .
وأما الدلائل السمعية على الوحدانية فكثيرة في القرآن وكل من طعن في دلالة التمانع فسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة يقول بإلهيتها عبدة الأصنام لزم فساد العالم ، لأنها جمادات لا تقدر على تدبير العالم فلزم إفساد العالم ، قالوا : وهذا أولى ؛ لأنه تعالى حكى عنهم في قوله :
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ
ثم ذكر الدلالة على فساد هذا فوجب أن يختص الدليل به .
قال عليّ القاري : وأما قول التفتازاني : الآية حجة إقناعية فالمحققون كالغزالي وابن الهمام ، ما قنعوا بالإقناعية بل جعلوها من الحقائق القطعية ، بل قيل يكفر قائلها . انتهى .
قال الكسائي وسيبويه والأخفش والزجاج وجمهور النحاة إن
إِلَّا
هنا ليست للاستثناء بل بمعنى غير صفة للآلهة ، ولذلك ارتفع الاسم الذي بعدها ، وظهر فيه إعراب غير التي جاءت إلا بمعناها ، وقال الفراء : إن
إِلَّا
هنا بمعنى سوى ، ووجه الفساد أن كون إله آخر مع اللّه يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادرا على الاستبداد بالتصرف ؛ فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف ، ويحدث بسببه الفساد .
فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان أي تنزه عز وجل عما لا يليق به من ثبوت الشريك له وفي إرشاد للعباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
مستأنفة مبينة أنه سبحانه لقوة سلطانه وعظيم جلاله لا يسأله أحد من خلقه عن شيء من قضائه وقدره من إعزاز وإذلال وإسعاد وإشقاء لأنه الرب المالك للأعناق .
وَهُمْ
أي العباد
يُسْئَلُونَ
عما يفعلون سؤال توبيخ وتقريع يقال لهم يوم القيامة لم فعلتم كذا وكذا ، لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم ، واللّه تعالى ليس فوقه أحد يقول له لشيء فعله لم فعلته ؟ .
وقيل : إن المعنى أنه سبحانه لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون ، قيل والمراد بذلك أنه سبحانه بين لعباده أن من يسأل عن أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلح لأن يكون إلها ، قال ابن عباس : ما في الأرض قوم أبغض إليّ من القدرية وما ذاك إلا أنهم لا يعلمون قدرة اللّه ، قال اللّه
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
.
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً
أم بمعنى بل وفيه إضراب وانتقال من إظهار بطلان كونها آلهة بالبرهان السابق إلى إظهار بطلان اتخاذها آلهة مع توبيخهم بطلب البرهان منهم ولهذا قال :
قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ
على دعوى أنها آلهة أو على جواز اتخاذ آلهة