ومثل هذه الآية قوله :
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
[ الأنبياء : 28 ] . وقوله
لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً
[ مريم : 87 ] . وقوله :
فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ
[ المدثر : 48 ] . وفيه دلالة على أنه لا يشفع أحد لأحد إلا لمن يأذن اللّه له فيها ، فلا شفاعة إلا بإذن منه سبحانه ، وهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمنين ؛ وبه صرح البغوي ؛ وهذه الآية من أقوى الدلائل على ثبوت الشفاعة في حق الفساق ، لأن قوله ورضي له قولا ، يكفي في صدقه أن يكون اللّه تعالى قد رضي له قولا واحدا من أقواله . والفاسق قد رضي اللّه من أقواله شهادة أن لا إله إلا اللّه فوجب أن تكون الشفاعة نافعة له بعد الإذن ، لأن الاستثناء من النفي إثبات . والجملة تفسير لمن يؤذن في الشفاعة له وحاصل هذا التفسير أنه كل من قال في الدنيا لا إله إلا اللّه ، أي كان مسلما ومات على الإسلام وإن عمل السيئات .
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 110 إلى 113 ]
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ( 110 ) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ( 111 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً ( 112 ) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ( 113 )
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
من أمور الساعة والآخرة
وَما خَلْفَهُمْ
من أمور الدنيا ، والمراد جميع الخلق . وقيل المراد بهم الذين يتبعون الداعي . وقيل الضمير للشافعين ، وقال ابن جرير : يرجع إلى الملائكة أعلم اللّه من يعبدها أنها لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها ، والعموم أولى
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
أي باللّه سبحانه لا تحيط علومهم بذاته ولا بصفاته ولا بمعلوماته .
وقيل الضمير راجع إلى ما في الموضعين ، فإنهم لا يعلمون جميع ذلك
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ
أي ذلت وخضعت . قاله ابن الأعرابي وعن ابن عباس وقتادة مثله .
وقال مجاهد : خشعت . وقال أبو العالية : خضعت ، وعن ابن عباس قال : وعنت الوجوه : الركوع والسجود ، قال الزجاج : معنى عنت في اللغة خضعت ، يقال عنا يعنو عنوا إذا خضع وذل وأعناه غيره ؛ أي أذله ، ومنه قيل للأسير عان والجمع عناة ؛ وقيل هو من العناء بمعنى التعب ، وذكر الوجوه وأراد بها أصحابها ، وخص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يتبين وأول ما يظهر فيها ؛ ثم قسمها إلى قسمين بقوله :
وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً
أي خسر من حمل شيئا من الظلم ، وقيل هو الشرك ، وبه قال ابن جريج وقتادة .
وقوله
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
الأعمال
الصَّالِحاتِ
الطاعات
وَهُوَ
أي والحال أنه
مُؤْمِنٌ
باللّه لأن العمل لا يقبل من غير إيمان ، بل هو شرط في القبول
فَلا يَخافُ
قرىء برفعه على النفي والاستئناف ، أي فهو لا يخاف ، وقرىء بجزمه على