تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
وقيل معنى الأز الاستعجال وهو مقارب لما ذكرنا لأن الاستعجال تحريك وتهييج واستفزاز وإزعاج ، وسياق هذه الآية لتعجيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من حالهم وللتنبيه على أن جميع ذلك بإضلال الشياطين وإغوائهم ، والجملة حالية من الشياطين ، أو من الكافرين أو منهما أو مستأنفة ، كأنه قيل ماذا تفعل الشياطين بهم ؟ قال ابن عباس : تؤزهم أزا تغويهم إغواء ، وتحرض المشركين على محمد وأصحابه وقال : تزعجهم إزعاجا إلى معاصي اللّه ، وفي الآية دليل على أن اللّه مدبر لجميع الكائنات
فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ
بأن تطلب من اللّه إهلاكهم بسبب تصميمهم على الكفر وعنادهم للحق وتمردهم عن داعي اللّه سبحانه حتى تستريح أنت والمؤمنون من شرورهم وتطهر الأرض من فسادهم . ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله :
إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا
يعني نعد الأيام والليالي والشهور والسنين من أعمارهم إلى انتهاء آجالهم فلا نهمل ما يقع منهم بل نضبطه عليهم حتى نؤاخذهم به ، وقيل نعد أنفاسهم وقيل خطواتهم وقيل لحظاتهم وقيل الساعات . وقال قطرب : نعد أعمالهم ، وقيل المعنى لا تعجل عليهم إنما نؤخرهم ليزدادوا إثما . قال الشهاب : إن العد كناية عن القلة ، ولا ينافي هذا ما مرّ من أنه يمد لمن كان في الضلالة لأنه بالنسبة لظاهر الحال عندهم وهو قليل باعتبار عاقبته وعند العد . ثم لما قرر سبحانه أمر الحشر وأجاب عن شبهة منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين حينئذ فقال :
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً
أي اذكر يا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يوم الخ . ومعنى الحشر إلى الرحمن حشرهم إلى جنته ودار كرامته ، كقوله :
إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي
[ الصافات : 99 ] ، والوفد جمع وافد كالركب جمع راكب والصحب جمع صاحب يقال وفد يفد وفدا إذا خرج إلى ملك أو أمر خطير . كذا قال الجوهري . وعن ابن عباس قال : وفدا ركبانا . وعن أبي هريرة قال : على الإبل . وعن علي قال : على نوق . وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق ، راغبين وراهبين ، اثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير وتحشرهم بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا » « 1 » والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا . وقيل يركبون من أول خروجهم من القبور . وهو ظاهر الآية . وقيل من منصرفهم
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 45 ، ومسلم في الجنة حديث 59 ، والنسائي في الجنائز باب 118 .