الموطئة للقسم كأنه قال : واللّه لأوتين في الآخرة
مالًا وَوَلَداً
وهذا من شدة تعنته بكفره أي انظر إلى حال هذا الكافر ، وتعجب من كلامه وتألّيه على اللّه مع كفره به وتكذيبه بآياته .
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما في الآية من حديث خباب بن الأرتّ قال :
كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال : لا واللّه لا أقضيك حتى تكفر بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت واللّه لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث قال :
فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثمّ مال وولد فأعطيك فأنزل اللّه فيه هذه الآية « 1 » .
وقرىء ولدا بضم الواو وبفتحها قيل هما لغتان معناهما واحد يقال ولد وولد كما يقال : عدم وعدم ، وقيل بالضم للجمع وبالفتح للواحد ، وقد ذهب الجمهور إلى أن هذا الكافر أراد بقوله :
لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً
أنه يؤتى ذلك في الدنيا ، وقال جماعة في الجنة ، قيل والمعنى إن أقمت على دين آبائي لأوتين ، وقيل المعنى لو كنت على باطل لما أوتيت مالا وولدا ، ثم أجاب اللّه سبحانه عن قول هذا الكافر بما يدفعه ويبطله فقال :
أَطَّلَعَ الْغَيْبَ
بفتح الهمزة الاستفهامية وأطلع متعد بنفسه ؛ كقوله : اطلع الجبل ، قال المغرب : وليس متعديا بعلى كما توهمه بعضهم ، حتى يكون من الحذف والإيصال لكن في القاموس اطلع عليه فكأنه يتعدى ولا يتعدى ، يقال اطلع الجبل إذا ارتقى إلى أعلاه ، والمعنى أعلم ما غاب عنه حتى يعلم أنه في الجنة .
أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً
بذلك أي بأن يؤتى ما قاله فإنه لا يتوصل إلى هذا العلم إلا بإحدى هاتين الطريقتين ؛ وقيل المعنى أنظر في اللوح المحفوظ ؟ أم اتخذ عند اللّه عهدا ؟ وقيل المعنى أم قال لا آله إلا اللّه فأرحمه بها ويرجو بها ؟ قاله ابن عباس ، وقيل المعنى أم قدم عملا صالحا فهو يرجوه ؟
كَلَّا
حرف ردع وزجر أي ليس الأمر على ما قال هذا الكافر من أنه يؤتى المال والولد ولفظة : ( كلّا ) فيها للنحاة ستة مذاهب :
أحدها : وهو مذهب جمهور البصريين كالخليل وسيبويه وأبي الحسن والأخفش وأبي العباس المبرد أنها حرف ردع وزجر وهذا معنى لائق بها حيث وقعت في القرآن وما أحسن ما جاءت في هذه الآية زجرت وردعت ذلك القائل .
والثاني : وهو مذهب النضر بن شميل أنها حرف تصديق بمعنى نعم فتكون جوابا ولا بدّ حينئذ من أن يتقدمها شيء لفظا أو تقديرا وقد تستعمل في القسم .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في البيوع باب 29 ، والإجارة باب 15 ، والخصومات باب 10 ، وتفسير سورة 19 ، باب 4 ، 5 ، 6 ، ومسلم في المنافقين حديث 36 ، وأحمد في المسند 5 / 110 ، 111 .