تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
أَوْ أَمْضِيَ
أي أسير
حُقُباً
أي زمانا طويلا ، قال الجوهري : الحقب بالضم ثمانون سنة . وقال مجاهد : سبعون خريفا ، وقيل سنة واحدة بلغة قريش ، وفي معناه الحقبة بالكسر والضم وتجمع الأولى على حقب بكسر الحاء كقربة وقرب والثانية على حقب بضم الحاء كغرفة وغرف . وقال النحاس : الذي يعرفه أهل اللغة أن الحقب والحقبة زمان من الدهر مبهم غير محدود ، كما أن رهطا وقوما مبهمان غير محدودين وجمعه أحقاب ، وسبب هذه العزمة على السير من موسى عليه السلام ما روي أنه سئل موسى من أعلم الناس ؟ فقال أنا ، فأوحى اللّه إليه أن عبدا لي بمجمع البحرين هو أعلم منك
فَلَمَّا بَلَغا
أي موسى وفتاه
مَجْمَعَ بَيْنِهِما
أي بين البحرين وأضيف مجمع إلى الظرف توسعا . وقيل : البين بمعنى الافتراق ، أي البحران المفترقان يجتمعان هناك . وقيل الضمير لموسى وخضر ، أي وصلا الموضع الذي يكون فيه اجتماع شملهما ويكون البين على هذا بمعنى الوصل لأنه من الأضداد والأول أولى
نَسِيا حُوتَهُما
قال المفسرون : إنهما تزوّدا حوتا مملحا مشقوق البطن في زنبيل ، وكانا يصيبان منه عند حاجتهما إلى الطعام ، وكان قد جعل اللّه فقدانه أمارة لهما على وجدان المطلوب ، والمعنى أنهما نسيا تفقّد أمره . وقيل : الذي نسي إنما هو فتى موسى لأنه وكل أمر الحوت إليه وأمره أن يخبره إذا فقده ، وإنما أضاف النسيان إليهما لأنهما تزوّداه لسفرهما ، والثاني أولى لقوله :
فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ
[ الكهف : 63 ] وهو كقولهم نسوا زادهم وإنما ينساه متعهد الزاد ، فلما انتهيا إلى ساحل البحر وضع فتاه المكتل الذي فيه الحوت فأحياه اللّه فتحرك واضطرب في المكتل ثم انسرب في البحر ، ولهذا قال :
فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً
أي اتخذ الحوت سبيلا سربا ، وهو النفق الذي يكون في الأرض للضب ونحوه من الحيوانات . قال سعيد بن جبير : أثره يابس في البحر كأنه في جحر ، وذلك أن اللّه سبحانه أمسك جرية الماء على الموضع الذي انسرب فيه الحوت فصار كالطاق ، فشبه مسلك الحوت في البحر مع بقائه وانجباب الماء عنه بالسرب الذي هو الكوّة المحفورة في الأرض . قال الفراء : لما وقع في الماء جمد مذهبه في البحر فكان كالسرب ، فلما جاوزا ذلك المكان الذي كان عند الصخرة وذهب الحوت فيه انطلقا فأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال ولم يجد النصب حتى جاوزا الموضع الذي فيه الخضر ولهذا قال سبحانه :

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 62 إلى 68 ]

فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ( 62 ) قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً ( 63 ) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً ( 64 ) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ( 65 ) قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ( 66 ) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 67 ) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ( 68 )