تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
وكل من قال إنه رأى الخضر وهو صادق فإما أن يتخيل له في نفسه أنه رآه ويظن ما في نفسه كان في الخارج كما يقع لكثير من أرباب الرياضات ، وإما أن يكون جنيا يتصور له بصورة إنسان ليضله وهذا كثير جدا قد علمنا منه ما يطول وصفه ، وإما أن يكون رأى إنسيا ظن أنه الخضر وهو غالط في ظنه فإن قال له ذلك الجني أو الإنسي أنه الخضر فيكون قد كذب عليه ، لا يخرج الصدق في هذا الباب عن هذه الأقسام الثلاثة . وأما الأحاديث فكثيرة ولهذا لم ينقل عن أحد من الصحابة أنه رأى الخضر ولا اجتمع به لأنهم كانوا أكمل علما وإيمانا من غيرهم فلم يكن يمكن شيطان التلبيس عليهم كما لبس على كثير من العباد ، ولهذا كثير من الكفار اليهود والنصارى يأتيهم من يظنون أنه الخضر ويحضر في كنائسهم وربما حدثهم بأشياء وإنما هو شيطان جاء إليهم يضلهم ، ولو كان الخضر حيا لوجب عليه أن يأتي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيؤمن به ويجاهد معه كما أخذ اللّه الميثاق على الأنبياء واتباعهم بقوله :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ
[ آل عمران : 81 ] . والخضر قد أصلح السفينة لقوم من عرض الناس فكيف لا يكون بين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، وهو إن كان نبيا فنبينا أفضل منه ، وإن لم يكن نبيا فأبو بكر وعمر أفضل منه ، وهذا مبسوط في موضعه انتهى وسيأتي الكلام على ذلك في آخر هذه القصة إن شاء اللّه تعالى .
وَعَلَّمْناهُ
من علم الغيب الذي استأثرنا به ، وفي قوله :
مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
تفخيم لشأن ذلك العلم وتعظيم له ، قال الزجاج : وفيما فعل موسى وهو من أجله الأنبياء من طلب العلم والرحلة في ذلك ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم وإن كان قد بلغ نهايته وأن يتواضع لمن هو أعلم منه . ثم قص سبحانه علينا ما دار بين موسى والخضر بعد اجتماعهما فقال :
قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً
في هذا السؤال ملاطفة ومبالغة في الأدب والتواضع لأنه استجهل نفسه واستأذنه أن يكون تابعا له على أن يعلمه مما علمه اللّه من العلم ، والرّشد بضم الراء وسكون الشين هو الوقوف على الخير وإصابة الصواب أي علما ذا رشد أرشد به ، وقرىء رشدا بفتحتين وهما لغتان كالبخل والبخل . وفي الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب ، وليس في ذلك ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى فقد يأخذ الفاضل عن الفاضل ، وقد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر ، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية والقضاء بظاهرها ، وكان علم الخضر علم بعض الغيب ومعرفة البواطن ، وقد زل
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 237 | صديق الحسيني القنوجي البخاري