ومعنى الفتنة فيها أن أبا جهل وغيره قالوا : زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر ثم يقول تنبت فيه الشجر فأنزل اللّه هذه الآية
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
[ الأنعام : 91 ] إذ قالوا ذلك فإنه لا يمتنع أن يجعل اللّه الشجرة من جنس لا تأكله النار ، فوبر السمندر وهو دويبة بلاد الترك تتخذ منه مناديل إذا اتسخت طرحت في النار فذهب الوسخ وبقي المنديل سالما لا تعمل فيه النار ، وترى النعامة تبتلع الجمر فلا يضرها ، وخلق في كل شجرة نارا فلا تحرقها فجاز أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها وروي أن أبا جهل أمر جارية فأحضرت تمرا وزبدا وقال لأصحابه : تزقموا .
وقال ابن الزبعرى : كثر اللّه من الزقوم في داركم فإنه التمر والزبد بلغة اليمن ، وقيل هي التي تلتوي على الشجرة فتقتلها وهي شجرة الكشوث ، وقيل هي الشيطان ، وقيل هي اليهود ، وقيل بنو أمية .
وعن عائشة أنها قالت لمروان بن الحكم : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول لأبيك وجدك إنكم الشجرة المعلونة في القرآن ، وفي هذا نكارة .
وَنُخَوِّفُهُمْ
بالآيات وبنظائرها ، وإيثار صيغة الاستقبال للدلالة على التجدد والاستمرار
فَما يَزِيدُهُمْ
التخويف
إِلَّا طُغْياناً
متجاوزا للحد متماديا غاية التمادي
كَبِيراً
فما يفيدهم إرسال الآيات إلا الزيادة في الكفر ؛ فعند ذلك نفعل بهم ما فعلناه بمن قبلهم من الكفار وهو عذاب الاستئصال ولكنا قد قضينا بتأخير العقوبة .
ولما ذكر سبحانه أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كان في بلية عظيمة من قومه ومحنة شديدة أراد أن يبيّن أن جميع الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام كانوا كذلك حتى إن هذه عادة قديمة سنها إبليس اللعين مع أول الأنبياء ، وأيضا لما ذكر أن الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ، ذكر ههنا ما يحقق ذلك فقال :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
هذه القصة قد ذكرها اللّه سبحانه في سبعة مواضع : في البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص وقد تقدم تفسيرها مبسوطا .
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً
نصب بنزع الخافض ، أي من طين كما صرح به في الآية الأخرى
وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
[ الأعراف : 12 ] وذلك أن آدم خلق من تراب الأرض ؛ من عذبها وملحها ، فمن خلق من العذب فهو سعيد ومن خلق من الملح فهو شقي .
وقال الزجاج : منصوب على الحال أو التمييز وتبعه فيه ابن عطية ، ولا يظهر ذلك إذ لم يتقدم إبهام ذات ولا نسبة .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 62 إلى 65 ]
قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً ( 62 ) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً ( 63 ) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً ( 64 ) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً ( 65 )