تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب وإنما خص قوم صالح بالاستشهاد لأن آثار إهلاكهم في بلاد العرب قريبة من قريش وأمثالهم يبصرها صادرهم وواردهم فقال :
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ
آية
مُبْصِرَةً
أي ذات أبصار يدركها الناس بأبصارهم كقوله
وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
[ الإسراء : 12 ] أو أسند إليها حال من يشاهدها مجازا أو أنها جعلتهم ذوي أبصار من أبصره إذا جعله بصيرا
فَظَلَمُوا بِها
أي بتكذيبها أو فجحدوا بها أو كفروا بها ظالمين ولم يكتفوا بمجرد الكفر أو الجحد فعاجلناهم بالعقوبة
وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ
المقترحة
إِلَّا تَخْوِيفاً
من نزول العذاب المستأصل فإن لم يخافوا أنزل أو بغير المقترحة كالمعجزات وآيات القرآن إلا تخويفا بعذاب الآخرة فإن أمر من بعثت إليهم مؤخر إلى يوم القيامة . اختلف في تفسير الآيات على وجوه : الأول : أن المراد بها العبر والمعجزات التي جعلها اللّه على أيدي الرسل من دلائل الإنذار تخويفا للمكذبين . الثاني : أنها آيات الانتقام تخويفا من المعاصي . الثالث : تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهل ثم إلى شيب ليعتبر الإنسان بتقلب أحواله فيخاف عاقبة أمره . الرابع : آيات القرآن . الخامس : الموت الذريع والمناسب للمقام تفسير الآيات المذكورة بالآيات المقترحة كما تقدم .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 60 إلى 61 ]

وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً ( 60 ) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ( 61 ) ولما ذكر سبحانه الامتناع من إرسال الآيات المقترحة على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم للصارف المذكور قوى قلبه بوعد النصر والغلبة فقال
وَ
اذكر
إِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ
يعني أنهم في قبضته وتحت قدرته فلا سبيل لهم إلى الخروج مما يريده بهم لإحاطته بهم بعلمه وقدرته وقيل المراد بالناس أهل مكة وأحاطته بهم إهلاكه إياهم أي أن اللّه سيهلكهم وعبر بالماضي تنبيها على تحقيق وقوعه وذلك كما وقع في يوم بدر ويوم الفتح . وقيل المراد إنه سبحانه عصمه من الناس أن يقتلوه حتى يبلغ رسالة ربه .
وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ
لما بين سبحانه إن إنزال الآيات يتضمن التخويف ضم إليه ذكر آية الإسراء وهي المذكورة في صدر السورة وسماها رؤيا لأنها وقعت بالليل أو لأن الكفرة قالوا لعلها رأيا وقد قدمنا في صدر السورة وجها آخر في تفسير هذه الرؤيا وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا اسلموا حين أخبرهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه أسري به .