النفخة الثانية ، وغرضه بذلك طلب أن لا يموت أصلا لأنه يعلم أنه لا موت بعد النفخة الثانية .
ثم عقب الذهاب بذكر ما جره سوء اختياره فقال :
فَمَنْ تَبِعَكَ
وأطاعك
مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ
أي إبليس ومن أطاعه ، والخطاب للتغليب لأنه تقدم غائب ومخاطب في قوله :
فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ
فغلب المخاطب أو يكون الخطاب مرادا به من خاصة ويكون ذلك على سبيل الالتفات
جَزاءً مَوْفُوراً
أي وافرا مكملا ، يقال وفرته أفره وفرا ، ووفر المال بنفسه يفر فورا فهو وافر فهو مصدر .
ثم كرر سبحانه الإمهال لإبليس اللعين فقال :
وَاسْتَفْزِزْ
أي استزعج واستعجل واستزل واستخف
مَنِ اسْتَطَعْتَ
أن تستفزه
مِنْهُمْ
أي من بني آدم ، يقال أفزه واستفزه أي أزعجه واستخفه والمعنى استخفهم
بِصَوْتِكَ
داعيا لهم إلى معصية اللّه ، وقيل هو الوسوسة والغناء واللهو واللعب والمزامير
وَأَجْلِبْ
قال الفراء وأبو عبيدة :
من الجلبة والصياح أي صح
عَلَيْهِمْ
وقال الزجاج : أي اجمع عليهم ما تقدر عليه من مكايدك وحبائلك وأحثهم على الإغواء فالإجلاب الجمع .
وقال ابن السكيت : الإجلاب الإعانة ، أي استعن عليهم وتصرف فيهم بكل ما تقدر ، والأمر للتهديد كما يقال اجتهد جهدك فسترى ما ينزل بك
بِخَيْلِكَ
أي بركبان جندك ؛ والخيل يقع على الفرسان كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا خيل اللّه اركبي » ويقع على الأفراس ، قاله ابن السكيت ، قيل الباء للملابسة أي صح وصوّت عليهم حال كونك ملتبسا ومصحوبا بجنودك .
قلت كون الباء للملابسة بعيد من حيث المعنى المراد كما تدل عليه عبارة اللغويين واللائق بها أن تكون زائدة ، وقد نص الشهاب على زيادتها ، وفي المختار جلب على فرسه يجلب جلبا صاح به من خلفه واستحثه للسبق وكذا اجلب عليه ، وهذا يقتضي زيادة الباء ، والمعنى حث وأسرع عليهم جندك خيلا ومشاة لتدركهم وتتمكن منهم فليتأمل
وَرَجِلِكَ
أي مشاتك ؛ يقال أن له خيلا ورجلا من الجن والأنس ، فكل من ركب أو مشى في معصية اللّه فهو من جند إبليس ، والرجل بسكون الجيم جمع راجل ، كتاجر وتجر وصاحب وصحب .
وقال أبو زيد : يقال رجل ورجل بمعنى راجل ، وقيل اسم لراجل بمعنى الماشي ، وقرىء في السبعة بكسر الجيم وهو مفرد بمعنى الجمع فهو بمعنى المشاة ، فالخيل والرجل كناية عن جميع مكايد الشيطان أو المراد ضرب المثل كما تقول للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك والحمل على الظاهر أولى .