تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
قالَ أَ رَأَيْتَكَ
أي أخبرني عن
هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ
أي فضلته
عَلَيَّ
بأمري بالسجود له لم كرمته عليّ وقد خلقتني من نار ، ولم يجبه عن هذا السؤال إهمالا له وتحقيرا حيث اعترض على مولاه وسأله بلم
لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
كلام مبتدأ أو اللام موطئة للقسم ، وجوابه
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ
أي لأستولين عليهم بالإغواء والإضلال قال الواحدي : أصله من احتناك الجراد الزرع وهو أن تستأصله بإحناكها وتفسده ، وهذا هو الأصل ؛ ثم سمى الاستيلاء على الشيء وأخذه كله احتناكا . وقيل معناه لأسوقنهم وأقودنهم حيث أردت من حنك الدابة إذا جعل الرسن في حنكها ، وفي المختار حنك الفرس جعل في فيه الرسن وبابه نصر وضرب والحنك المنقار ، يقال أسود مثل حنك الغراب وأسود حانك مثل حالك والحنك ما تحت الذقن من الإنسان ، والمعنى الأول أنسب بمعنى هذه الآية . وقال مجاهد : المعنى لأحتوينهم . وعن ابن زيد قال : لأضلنهم ، وإنما أقسم اللعين هذا القسم على أنه سيفعل بذرية آدم ما ذكره لعلم قد سبق إليه من سمع استرقه أو أنه استنبط ذلك من قول الملائكة :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
[ البقرة : 30 ] ، وقيل علم ذلك من طبع البشر لما ركب فيهم من الشهوات أو ظن ذلك لأنه وسوس لآدم فقبل منه ذلك ولم يجد له عزما ، كما روي عن الحسن أو قاله لما ظنه من قوة نفوذ كيده في بني آدم ، وأنه يجري منهم في مجاري الدم ، وأنهم بحيث يروج عندهم كيده وينفق لديهم وسوسته ، إلا من عصم اللّه كالأنبياء وصلحاء هذه الأمة وهم المرادون بقوله :
إِلَّا قَلِيلًا
قيل من كل ألف واحد ، وفي معنى هذا الاستثناء قوله تعالى سبحانه :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
[ الحجر : 42 ] ويؤيده ما ذكرناه قوله تعالى :
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ
[ سبأ : 20 ] فإنه يفيد أنه قال ما قاله هنا اعتمادا على الظن .
قالَ
اللّه تعالى
اذْهَبْ
ليس من الذهاب الذي هو ضد المجيء ، وإنما معناه امض لشأنك الذي اخترته خذلانا وتخلية بينه وبين ما سوّلته نفسه ، أمره بأوامر خمسة القصد بها التهديد والاستدراج لا التكليف ، لأنها كلها معاص واللّه لا يأمر بها ؛ والمعنى اذهب منظرا إلى وقت النفخة الأولى مع أن غرضه الإمهال والإنظار إلى