تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
وأجيب بأنه كان منافقا فظن نوح أنه مؤمن ، وقيل حملته شفقة الأبوة على ذلك وكان من صلبه على المعتمد . وقال ابن عباس : هو ابنه غير أنه خالفه في النية والعمل ، وقيل إنه كان ابن امرأته ولم يكن ابنه . ويؤيده ما روي أن عليا قرأ ( ونادى نوح ابنها ) وقيل إنه كان لغير رشدة وولد على فراش نوح ، ورد بأن قوله هذا وقوله :
إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
[ هود : 45 ] يدفع ذلك مع ما فيه من عدم صيانة منصب النبوة فإن جناب الأنبياء أرفع من أن يشار إليه بأصبع الطعن .
وَكانَ فِي مَعْزِلٍ
أي في مكان عزل فيه نفسه عن قومه وقرابته بحيث لم يبلغه قول نوح
ارْكَبُوا فِيها
وقيل في معزل من دين اللّه وقيل من السفينة . قيل وكان هذا النداء قبل أن يستيقن الناس الغرق ، بل كان في أول فور التنور قبل سير السفينة .
يا بُنَيَّ
أصله بثلاث ياءات ياء التصغير ولام الكلمة وياء المتكلم
ارْكَبْ مَعَنا
في السفينة أي أسلم واركب ، قال ملا عليّ الجيلاني : الظاهر أن معنى الآية أسلم لتستحق الركوب معنا .
وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ
في البعد عنا فتهلك معهم ، نهاه عن الكون معهم خارج السفينة ، ويمكن أن يراد بالكون معهم الكون على دينهم في الكفر ، والأول أولى لأنه عليه السلام بصدد التحذير عن الهلكة فلا يلائمه النهي عن الكفر . ثم حكى اللّه سبحانه ما أجاب به ابن نوح على أبيه فقال :
قالَ سَآوِي
أي سألتجىء وأصير
إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي
أي يمنعني بارتفاعه وعلوه
مِنَ
وصول
الْماءِ
إليّ زعما منه أن ذلك كسائر المياه في أزمنة السيول المعتادة التي ربما يتقي منها بالصعود إلى الربى ، وأنى له ذلك وقد بلغ السيل الزبى ، وجهلا بأن ذلك إنما كان لإهلاك الكفرة ، وأن لا محيص من ذلك سوى الالتجاء إلى ملجأ المؤمنين ، فلذلك أراد عليه السلام أن يبين له حقيقة الحال ، وأن يصرفه عن ذلك الفكر المحال .
قالَ
أي فأجاب عنه نوح بقوله :
لا عاصِمَ
من الجبال أي لا مانع
الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
فإنه يوم قد حق فيه العذاب وجف القلم بما هو كائن ، فيه نفي جنس العاصم فيندرج تحته العاصم من الغرق في ذلك اليوم اندراجا أوليا ، وعبر عن الماء أو عن الغرق بأمر اللّه سبحانه تفخيما لشأنه وتهويلا لأمره
إِلَّا مَنْ رَحِمَ
وقرى على البناء للمفعول والاستثناء منقطع قاله الزجاج أي لكن من رحمه فهو يعصمه واستظهره السفاقسي أو متصل على أن يكون عاصم بمعنى معصوم أي لا معصوم اليوم من أمر اللّه إلا من رحمه اللّه مثل ماء دافق وعيشة راضية ، واختار هذا الوجه ابن جرير والزمخشري وتبعه القاضي .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 318 | صديق الحسيني القنوجي البخاري