وقيل العاصم بمعنى ذي العصمة كلابن وتأمر ، والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحم اللّه وهو السفينة وحينئذ فلا يرد ما يقال إن معنى من رحم من رحمه اللّه ومن رحمه اللّه فهو معصوم ، فكيف يصح استثناؤه عن العاصم لأن في كل وجه من هذه الوجوه دفعا للإشكال .
وذكر صاحب الانتصاف أن الاحتمالات الممكنة هنا أربعة لا عاصم إلا راحم ، لا معصوم إلا مرحوم ، لا عاصم إلا مرحوم ، لا معصوم إلا راحم ، فالأولان استثناء من الجنس ، والآخران استثناء من غير الجنس فيكون منقطعا أي لكن المرحوم يعصم على الأول ؛ ولكن الراحم يعصم من أراد على الثاني قال عكرمة : لا ناج إلا أهل السفينة .
وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ
أي حال بين نوح وابنه فتعذر خلاصه من الغرق وقيل بين ابن نوح وبين الجبل والأول أولى لأن تفرع
فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ
عليه يدل على الأول لا على الثاني لأن الجبل ليس بعاصم والمعنى فصار أو فكان كنعان من المغرقين في علم اللّه بالفعل والمهلكين بالماء .
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 44 إلى 45 ]
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 44 ) وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ( 45 )
وَقِيلَ
أي بعد ما تناهى الطوفان وأغرق اللّه قوم نوح والقيل كما قيل في هذين الموضعين عبارة عن تعلق القدرة التنجيزي بزوال الماء وبهلاكهم كما قيل في قوله تعالى :
أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ يس : 82 ] وعلى هذا فالآية على الاستعارة المكنية والتخييلية وقيل تمثيلية ، كما فصل ذلك الخفاجي في العناية تفصيلا بسيطا مع ما يصحبه من لطائف البلاغة .
ولكن الحق الذي لا تردد فيه عند أولي البصيرة أن الآية على حقيقتها من النداء والأمر وهو المختار في قوله سبحانه :
كُنْ فَيَكُونُ *
وأمثاله أيضا .
يا أَرْضُ ابْلَعِي
يقال بلع الماء يبلعه مثل منع يمنع وبلع يبلع مثل حمد يحمد لغتان حكاهما الكسائي والفراء : والبلع الشرب وتغوير الماء ومنه البالوعة وهي الموضع الذي يشرب الماء والازدراد يقال بلع ما في فمه من الطعام إذا ازدرده ، واستعير البلع الذي هو من فعل الحيوان للنشف دلالة على أن ذلك ليس كالنشف المعتاد الكائن على سبيل التدريج .
قال الخفاجي : النشف من نشف الثوب العرق كسمع وبصر إذا شربه ، قال المدقق : هذا أولى من جعل السكاكي البلع مستعارا لغور الماء في الأرض لدلالته