تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
وقد ذكر أهل اللغة أن الفور الغليان ، يقال فار الماء يفور فورا نبع وجرى وفارت القدر فورا من باب قال وفورانا غلت ، وعلى هذا لا تجوز في الآية إلا من حيث نسبة الفوران إلى التنور ، وهم اسم أعجمي عربته العرب ، وعلى هذا فلا اشتقاق له . وقيل فارسي لا تعرف له العرب اسما غير هذا فلذلك جاء في القرآن بهذا اللفظ فخوطبوا بما يعرفون ، وقيل جاء هكذا بكل لفظ عربي وعجمي ، وأنه مما اتفق عليه لغة العرب والعجم كالصابون ووزنه تفعول ويعزى هذا لثعلب ، وقيل فعول ويعزى لأبي علي الفارسي ، وقيل معنى فار التنور التمثيل بحضور العذاب كقولهم حمي الوطيس إذا اشتد الحرب ، وعلى هذا فهو كناية عن اشتداد الأمر . وقيل كان من حجر لحواء فصار إلى نوح ، وقد روي في تفسير التنور غير هذا . ذكر ابن جرير وغيره أن الطوفان كان في ثالث عشر من أبيب رجب في شدة القيظ وكان الفوران علامة لنوح على مجيئه وركوب السفينة .
قُلْنَا
يا نوح
احْمِلْ فِيها
أي في السفينة
مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ
مما في الأرض من الحيوانات
اثْنَيْنِ
ذكرا وأنثى ، وقرىء من كل بالتنوين أي من كل شيء زوجين ، والزوجان للاثنين اللذين لا يستغني أحدهما عن الآخر ، ويطلق على كل واحد منهما زوج كما تقول للرجل زوج وللمرأة زوج ؛ وهو المراد هنا أي من كل فردين متزاوجين اثنين بأن تحمل من الطير ذكرا وأنثى ومن الغنم ذكرا وأنثى ، وهكذا وتترك الباقي ، والمراد من الحيوانات التي تنفع والتي تلد أو تبيض ليخرج المضرات ، والتي تتوالد من العفونة والتراب كالدود والقمل والبق والبعوض فلم يحمل منه شيئا . ويطلق الزوج على الاثنين إذا استعمل مقابلا للفرد ، ويطلق الزوج على الضرب والصنف ومنه قوله تعالى :
وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
[ الحج : 5 ] . قال الرازي : وأما ما يروى أن إبليس دخل السفينة فبعيد لأنه من الجن ، وهو جسم ناري أو هوائي فكيف يفر من الغرق ، وأيضا فإن كتاب اللّه لم يدل على ذلك ولم يرد فيه خبر صحيح فالأولى ترك الخوض فيه اه .
وَ
احمل
أَهْلَكَ
والمراد امرأته المؤمنة وبنوه ونساؤهم
إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ
أي من تقدم الحكم عليه بأنه من المغرقين في علمه أو في قوله :
وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ
على الاختلاف الشائع فيهم ، فمن جعلهم جميع الكفار من أهله وغيرهم كان هذا الاستثناء من جملة احمل فيها وأهلك ومن قال المراد بهم ولده كنعان وامرأته الكافرة واعلة أم كنعان جعل الاستثناء من أهلك ويكون متصلا إن أريد بالأهل ما هو أعم من المسلم والكافر منهم ، ومنقطعا إن أريد بالأهل المسلمون منهم فقط .