تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
وفي وجه سخريتهم منه قولان ( أحدهما ) أنهم كانوا يرونه يعمل السفينة فيقولون : يا نوح صرت بعد النبوة نجارا ، وكان يصنعها في برية في أبعد موضع من الماء وفي وقت عزته عزة شديدة ( والثاني ) أنهم لما شاهدوه يعمل السفينة وكانوا لا يعرفونها قبل ذلك ولا كيفية استعمالها والانتفاع بها فتعجبوا من ذلك وقالوا : يا نوح ما تصنع بها .
قالَ
أمشي بها على الماء فعجبوا من قوله وسخروا به ثم أجاب عليهم بقوله :
إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا
وهذا الكلام مستأنف على تقدير سؤال كأنه قيل فماذا قال لهم فقيل قال والمعنى إن تسخروا منا بسبب عملنا السفينة اليوم .
فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ
غدا عند الغرق ، ومعنى السخرية هنا الاستجهال أي أن تستجهلونا فإنا نستجهلكم ، وهذا على سبيل المشاكلة إذ السخرية لا تليق بمقام الأنبياء ، وقيل إنه لجزائهم من جنس صنيعهم فلا يقبح
كَما تَسْخَرُونَ
أي تستجهلون واستجاله لهم باعتبار اظهاره لهم ومشافهتهم وإلا فهم عنده جهال قبل هذا وبعده والتشبيه لمجرد التحقيق والوقوع أو التجدد والتكرر . والمعنى أنا نسخر منكم سخرية متحققة واقعة كما تسخرون منا كذلك أو متجددة متكررة كما تسخرون منا كذلك ، وقيل معناه نسخر منكم في المستقبل سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق وفيه نظر فإن حالهم إذ ذاك لا تناسبه السخرية إذ هم في شغل شاغل عنها ثم هددهم بقوله .

[ سورة هود ( 11 ) : آية 39 ]

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 39 )
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ
موصولة في محل نصب أو استفهامية في محل رفع أي أينا
يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ
أي يهينه وهو عذاب الغرق في الدنيا ، قاله ابن عباس : والمراد بعذاب الخزي العذاب الذي يخزي صاحبه ويحل عليه العار
وَيَحِلُّ
التلاوة بكسر الحاء ويجوز لغة ضمها كما في المصباح أي ينزل
عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ
في الآخرة وهو عذاب النار الدائم والخلود فيها . وقيل معنى يحل يجعل المؤجل حالا مأخوذ من حلول الدين المؤجل . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم عن عائشة قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب ، ثم قطعها ثم جعل يعمل منها سفينة ويمرون فيسألونه فيقول اعملها سفينة فيسخرون منه ويقولون تعمل سفينة في البر وكيف تجري ، قال سوف تعلمون ، فلما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حبا شديدا فخرجت إلى الجبل حتى بلغت