إيجاب لأنه لا سبيل إلى صون روح نفسه وأرواح غيره من الهلاك إلا بهذا الطريق وصون النفس من الهلاك واجب ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، أي أعمل السفينة متلبسا
بِأَعْيُنِنا
أي بمرأى منا وبأبصارنا لك وهو مجاز عن كلاء اللّه له بالحفظ وعبر بالأعين عن ذلك لأنها آلة الرؤية وهي التي تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب .
وقيل بعلمنا لك وجمع الأعين للمبالغة والتعظيم لا للتكثير ، وقيل معناها بأعين ملائكتنا الذين جعلناهم عيونا على حفظك ، وقيل بأمرنا ، والحق أن العين صفة من صفاته لا ندري كيفيتها فيجب إمرارها على ظاهرها من دون تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تقدير .
ومعنى
وَوَحْيِنا
بما أوحينا إليك من كيفية صنعتها ، وقال ابن عباس : بعين اللّه ووجهه ولم يعلم نوح كيف يصنع الفلك فأوحى اللّه إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر .
وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا
قيل هم امرأته وابنه أي لا تطلب إمهالهم وترك اهلاكهم أي لا تراجعني ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم فقد حان وقت الانتقام منهم
إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ
تعليل لما قبله أي فإنهم محكوم منا عليهم بالغرق وقد مضى به القضاء فلا سبيل إلى دفعه ولا تأخيره ، وقيل المعنى ولا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم مغرقون في الوقت المضروب لذلك لا يتأخر اغراقهم عنه .
وَ
طفق
يَصْنَعُ الْفُلْكَ
أو أخذ أو أقبل يصنعها فاقتصر على يصنع وقيل هو حكاية حال ماضية لاستحضار صورتها العجيبة ، وأيا ما كان ففيه ملاءمة للاستمرار المفهوم من الجملة الآتية الواقعة حالا من ضميره ، ومكث في صنع السفينة مائتي سنة ذكره الصاوي وقيل أربعمائة سنة ذكره أبو السعود ، وقال ابن عباس : اتخذ نوح السفينة في سنتين وقيل ثلاثين سنة .
وكان طولها ثلاثمائة ذراع وسمكها في السماء ثلاثين ذراعا وعرضها خمسين ذراعا والذراع إلى المنكب ، وكانت من خشب الساج لها ثلاثة بطون وأطباق سفلى ووسطى وعليا ، وكان بابها في عرضها فحمل في أسفلها الدواب والوحش ، وفي أوسطها الانس وفي أعلاها الطير ، وقيل السفلى للوحش والوسطى للطعام والعليا له ولمن آمن ، قال الخفاجي : والساج شجر عظيم يكثر بالهند ، وقيل إنه ورد في التوراة إنها من الصنوبر وقيل غير ذلك .
وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ
أي جماعة
مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ
كل ظرفية وما مصدرية ظرفية أي كل وقت مرور قوم استهزؤوا به لعمله السفينة ، والجملة في محل نصب على الحال ، قال الأخفش والكسائي : يقال سخرت به ومنه .