ثم جاوبوه بغير ما تقدم من كلامهم وكلامه
قالُوا
عجزا عن القيام بالحجة وقصورا عن رتبة المناظرة وانقطاعا عن المباراة بقولهم :
يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا
أي خاصمتنا بأنواع الخصام ودفعتنا بكل حجة لها مدخل في المقام ، ولم يبق لنا في هذا الباب مجال فقد ضاقت علينا المسالك وانسدت أبواب الحيل
فَأْتِنا بِما تَعِدُنا
من العذاب الذي تخوفنا منه وتخافه علينا
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
فيما تقوله لنا .
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 33 إلى 34 ]
قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 33 ) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 34 )
فأجاب بأن ذلك ليس إليه وإنما هو بمشيئة اللّه وإرادته و
قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ
فإن قضت مشيئته وحكمته بتعجيله عجله لكم ، وإن قضت مشيئته وحكمته بتأخيره أخره
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
بفائتين عما أراده اللّه بكم بهرب أو مدافعة
وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي
الذي أبذله لكم وأستكثر منه قياما مني بحق النصيحة للّه بإبلاغ رسالته لكم بإيضاح الحق ؛ وبيان بطلان ما أنتم عليه
إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ
وجواب هذا الشرط محذوف والتقدير لا ينفعكم نصحي كما يدل عليه ما قبله .
إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ
أي إغوائكم فلا ينفعكم النصح مني ، وكان جواب هذا الشرط محذوفا كالأول وتقديره ما ذكرنا ، وهذا التقدير إنما هو على مذهب من يمنع من تقدم الجزاء على الشرط ، وأما على مذهب من يجيزه فجزاء الشرط الأول ولا ينفعكم نصحي ، والجملة جزاء للشرط الثاني .
قال ابن جرير : معنى يغويكم يهلككم بعذابه ؛ وظاهر لغة العرب أن الاغواء الاضلال ، فمعنى الآية لا ينفعكم نصحي إن كان اللّه يريد أن يضلكم عن سبيل الرشاد ، ويخذلكم عن طريق الحق . وحكي عن طيئ أصبح فلان غاويا أي مريضا وليس هذا المعنى هو المراد في الآية ، وقد ورد ، الإغواء بمعنى الإهلاك ، ومنه فسوف يلقون غيا ، وهو غير ما في الآية هذه .
هُوَ رَبُّكُمْ
فإليه الاغواء وإليه الهداية
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
فيجازيكم بأعمالكم إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 35 إلى 38 ]
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ( 35 ) وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ( 37 ) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ( 38 )
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ
أنكر سبحانه عليهم قولهم أن ما أوحى إلى نوح مفترى ثم