تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
من عذاب اللّه وانتقامه
إِنْ طَرَدْتُهُمْ
فإن طردهم بسبب سبقهم إلى الإيمان والإجابة إلى الدعوة التي أرسل اللّه رسوله لأجلها ظلم عظيم لا يقع من الأنبياء المؤيدين بالعصمة ، ولو وقع ذلك منهم فرضا وتقديرا لكان فيه من الظلم ما لا يكون لو فعله غيرهم من سائر الناس .
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
معطوف على مقدر كأنه قيل أتستمرون على ما أنتم عليه من الجهل بما ذكر فلا تذكرون من أحوالهم ما ينبغي تذكره وتتفكرون فيه حتى تعرفوا ما أنتم عليه من الخطأ ، وما هم عليه الصواب ، وقيل تقديره أتأمروني بطردهم فلا تذكرون ، وقيل الأصل فلا تذكرون ، وقيل أفلا بمعنى هلا التحضيضية كما ذكره الكرخي .
وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ
أعطيكم منها ، بين لهم أنه كما لا يطلب منهم شيئا من أموالهم على تبليغ الرسالة ، كذلك لا يدعي أن عنده خزائن اللّه حتى تستدلوا بعدمهما على كذبه كما قالوا :
وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ
[ هود : 27 ] والمراد بخزائن اللّه خزائن رزقه ، وقال ابن الأنباري : الخزائن هنا بمعنى غيوب اللّه وما هو منطو عن الخلق والأول أولى لقوله :
وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ
أي ولا أدعي أني أعلم بغيب اللّه بل لم أقل لكم إلا أني نذير مبين إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم وهذا رد لقولهم
وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ
أي في ظاهر حالهم وأول فكرهم ، وفي الباطن لم يتبعوك ، فقال لهم إني إنما أعوّل على الظاهر لأني لا أعلم الغيب فأحكم به .
وَلا أَقُولُ
لكم
إِنِّي مَلَكٌ
حتى تقولوا ما نراك إلا بشرا مثلنا ، فإن البشرية ليست من موانع النبوة بل من مباديها ، وقد استدل بهذا من قال إن الملائكة أفضل من الأنبياء ، والأدلة نفي هذه المسألة مختلفة وليس لطالب الحق إلى تحقيقها حاجة ، فليست هي مما كلفنا اللّه بعلمه .
وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ
أي في شأن الذين
تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ
أي تحتقر وتستصغر ، والازدراء مأخوذ من أزرى عليه إذا عابه وزرى عليه إذا احتقره ، والمعنى أني لا أقول لهؤلاء المتبعين لي المؤمنين باللّه الذين تعيبونهم وتحتقرونهم
لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً
أي توفيقا وهداية وإيمانا وأجرا بل قد آتاهم الخير العظيم بالإيمان به واتباع نبيه ، فهو مجازيهم بالجزاء العظيم في الآخرة ورافعهم في الدنيا إلى أعلى محل ، ولا يضرهم احتقاركم لهم شيئا .
اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ
من الإيمان به والإخلاص له فمجازيهم على ذلك ليس لي ولا لكم من أمرهم شيء
إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ
لهم إن فعلت ما تريدونه بهم أو من الظالمين لأنفسهم إن فعلت ذلك بهم .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 309 | صديق الحسيني القنوجي البخاري