تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
بادِيَ الرَّأْيِ
أي في ظاهر الرأي من غير تعمق ، يقال بدا يبدو إذا ظهر قال الأزهري : معناه فيما يبدو لنا من الرأي ، وقيل أول الرأي قرىء بالهمز وتركه وهما سبعيتان ونصبه على الظرف أي وقت حدوث أول رأيهم . والوجه الثالث من جهات قدحهم في نبوته
وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ
بالمال والشرف والجاه والرأي خاطبوه في الوجهين الأولين منفردا ، وفي هذا الوجه خاطبوه مع متبعيه ، ثم اضربوا عن الثلاثة المطاعن وانتقلوا إلى ظنهم المجرد عن البرهان الذي لا مستند له إلا مجرد العصبية والحسد واستبقاء ما هم فيه من الرياسة الدنيوية فقالوا :
بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ
فيما تدعونه ، ويجوز أن يكون هذا خطابا للأراذل وحدهم ، والأول أولى لأن الكلام مع نوح لا معهم إلا بطريق التبعية له .

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 28 إلى 29 ]

قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ( 28 ) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ( 29 ) ثم ذكر سبحانه ما أجاب به نوح عليه السلام عليهم اجمالا فقال :
قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ
أي أخبروني
إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ
برهان
مِنْ رَبِّي
في النبوة يدل على صحتها ويوجب عليكم قبولها مع كون ما جعلتموه قادحا ليس بقادح في الحقيقة فإن المساواة في صفة البشرية لا تمنع المفارقة في صفة النبوة واتباع الأراذل كما تزعمون ليس مما يمنع من النبوة فإنهم مثلكم في البشرية والعقل والفهم فاتباعهم لي حجة عليكم لا لكم ، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة ، وفي هذا الخطاب غاية التلطف بهم .
وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ
وهي النبوة وقيل الرحمة المعجزة والبينة النبوة قيل ويجوز أن يكون الرحمة هي البينة نفسها والأولى تفسير الرحمة بغير ما فسرت به البينة وقيل الرحمة هي على الحق ، وقيل هي الهداية إلى معرفة البرهان ، وقيل الإيمان والافراد في
فَعُمِّيَتْ
على إرادة كل واحدة منهما أو على إرادة البينة لأنها هي التي تظهر لمن تفكر وتخفى على من لم يتفكر ، ومعنى عميت خفيت يقال عميت عن كذا وعمي عليّ كذا إذا لم أفهمه . قيل وهو من باب القلب لأن البينة أو الرحمة لا تعمي ، وإنما يعمى عنها فهو كقولهم أدخلت القلنسوة رأسي ، وقيل إن عمى الدليل بمعنى خفائه مجازا فيقال حجة عمياء كما يقال مبصرة للواضحة وهو استعارة تبعية ، شبه خفاء الدليل بالعمى في أن كلّا يمنع الوصول إلى المقاصد وقرىء فعميت بضم العين وتشديد الميم على البناء للمفعول أي فعماها اللّه .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 307 | صديق الحسيني القنوجي البخاري