لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ
بالكسر على إرادة القول أي فقال أو قائلا ، وقرىء بالفتح على إضمار حرف الجر أي أرسلناه متلبسا بذلك الكلام وهو أني لكم ، واقتصر على النذارة دون البشارة لأن دعوته كانت لمجرد الانذار أو لكونهم لم يعملوا بما بشرهم به .
وفي هذه السورة ذكر أنواع من القصص ، الأولى قصة نوح ، الثانية قصة هود ، الثالثة قصة صالح ، الرابعة قصة إبراهيم ؛ الخامسة قصة لوط ، السادسة قصة شعيب ، السابعة قصة موسى وهي آخر القصص على الترتيب الزماني .
أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
أن مصدرية أو مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير أو بمبين ولا ناهية
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ
تعليلية والمعنى نهيتكم عن عبادة غير اللّه لأني أخاف عليكم ، وفيها تحقيق لمعنى الإنذار ، واليوم هو يوم القيامة أو يوم الطوفان ، ووصفه بالأليم من باب الإسناد المجازي مبالغة .
ثم ذكر ما أجاب به قومه عليه ، وهذا الجواب يتضمن الطعن منهم في نبوته من ثلاث جهات
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ
الملأ الأشراف كما تقدم غير مرة ، ووصفهم بالكفر ذما لهم وفيه دليل على أن بعض أشراف قومه لم يكونوا كفرة
ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا
هذه الجهة الأولى من جهات طعنهم في نبوته ، أي نحن وأنت مشتركون في البشرية فلم تكن لك علينا مزية تستحق بها النبوة دوننا .
والجهة الثانية
وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا
أي ولم يتبعك أحد من الأشراف فليس لك مزية علينا باتباع هؤلاء الأراذل لك ، والأراذل جمع أرذل بضم الذال وأرذل جمع رذل بسكونها مثل أكالب وأكلب وكلب فهو جمع الجمع ، وقيل الأراذل جمع أرذل كالأساود جمع أسود ، وهم السفلة كالحاكة والأساكفة ، والأرذل الأدون من كل شيء فقال النحاس الأراذل الفقراء والذين لا حسب لهم والحسب الصناعات .
وقال الزجاج : نسبوهم إلى الحياكة ولم يعلموا أن الصناعات لا أثر لها في الديانة لأن الرفعة في الدين ومتابعة الرسل لا تكون بالشرف والمال والمناصب العلية بل للفقراء الخاملين وهم أتباع الرسل ولا تضرهم خسة صنائعهم إذا حسنت سيرتهم في الدين ، وهذه عادة اللّه في الأنبياء والأولياء أن أول من يتبعهم ضعفاء الناس لذلهم فلا يتكبرون عن الاتباع بمال ولا جاه .
وقال ثعلب عن ابن الأعرابي : السفلة هو الذي يصلح الدنيا بدينه قيل له فمن سفلة السفلة ، قال : الذي يصلح دنيا غيره بفساد دينه .
والظاهر من كلام أهل اللغة أن السفلة هو الذي يدخل في الحرف الدنية ، والرؤية في الموضعين إن كانت القلبية فبشرا في الأول واتبعك في الثاني هما المفعول الثاني ، وإن كانت البصرية فهما منتصبان على الحال .