تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩

[ سورة هود ( 11 ) : آية 16 ]

أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 16 )
أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ
الإشارة إلى المريدين المذكورين ولا بدّ من تقييد هذا بأنهم لم يريدوا الآخرة بشيء من الأعمال المعتد بها الموجبة للجزاء الحسن في الدار الآخرة أو تكون الآية خاصة بالكفار كما تقدم .
وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها
أي ظهر في الدار الآخرة حبوط ما صنعوه من الأعمال التي كانت صورتها صورة الطاعات الموجبة للجزاء الأخروي لولا أنهم أفسدوها بفساد مقاصدهم وعدم الخلوص وإرادة ما عند اللّه في دار الجزاء ، بل قصروا ذلك على الدنيا وزينتها . ثم حكم سبحانه ببطلان عملهم فقال :
وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
أي أنه كان عملهم في نفسه باطلا غير معتد به ، لأنه لم يعمل لوجه صحيح يوجب الجزاء ويترتب عليه ما يترتب على العمل الصحيح . عن مجاهد قال : هم أهل الرياء ، وهذا مشكل لأن قوله أولئك الذين ، الآية لا يليق بحال المؤمن إلا إذا قلنا إن تلك الأعمال الفاسدة والأفعال الباطلة لما كانت لغير اللّه استحق فاعلها الوعيد الشديد وهو عذاب النار . ويدل له ما روي عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « من تعلم علما لغير اللّه أو أراد به غير اللّه فليتبوأ مقعده من النار » أخرجه الترمذي « 1 » . وعن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : قال اللّه تعالى : « أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه » أخرجه مسلم « 2 » . وفي الباب أحاديث بمعناه والرياء هو الشرك الأصغر « 3 » كما ورد في الحديث ، وهذا هو أحد الأقوال . والذي تقتضيه جزالة النظم الكريم أن المراد به مطلق الكفرة بحيث يندرج فيهم القادحون في القرآن العظيم اندراجا أوليا ، فإنه عز وعلا لما أمر نبيه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين بأن يزدادوا علما ويقينا بأن القرآن منزل بعلم اللّه وبأن لا قدرة لغيره على شيء أصلا ، وهيجهم على الثبات على الاسلام والرسوخ فيه عند ظهور عجز الكفرة وما يدعون من دون اللّه عن المعارضة ، وتبين أنهم ليسوا على شيء أصلا ، اقتضى الحال أن يتعرض لبعض شؤونهم الموهمة لكونهم على شيء في الجملة من نيلهم الحظوظ العاجلة
هامش
( 1 ) كتاب العلم ، باب 6 . ( 2 ) كتاب الزهد والرقاق ، حديث 46 . ( 3 ) حديث : « الرياء شرك » أخرجه الترمذي في النذور باب 9 ، وابن ماجة في الفتن باب 16 .