تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
بعدها
أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ
وقال أنس : نزلت في اليهود والنصارى ، وعن الحسن مثله ، وقيل نزلت في المنافقين ، وقيل الآية واردة في الناس على العموم كافرهم ومسلمهم والحمل على العموم أولى . والمعنى أن من كان يريد بعمله حظ الدنيا يكافأ بذلك وليس المراد مجرد الإرادة والمراد بزينتها ما يزينها ويحسنها من الصحة والأمن والسعة في الرزق وارتفاع الحظ ونفاذ القول وكثرة الأولاد والرياسة ونحو ذلك ، وإدخال كان في الآية يفيد أنهم مستمرون على إرادة الدنيا بأعمالهم لا يكادون يريدون الآخرة ولهذا قيل إنهم مع إعطائهم حظوظ الدنيا يعذبون في الآخرة لأنهم جردوا قصدهم إلى الدنيا ولم يعملوا للآخرة . وظاهر قوله :
نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها
أن من أراد بعمله الدنيا حصل له الجزاء الدنيوي لا محالة ، ولكن الواقع في الخارج يخالف ذلك فليس كل متمن ينال من الدنيا أمنيته وإن عمل لها وأرادها فلا بدّ من تقييد ذلك بمشيئة اللّه سبحانه ، عن ابن عباس قال : يعني من عمل صالحا التماس الدنيا صوما أو صلاة أو تهجدا بالليل لا يعمله إلا لذلك . قال القرطبي : ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة وكذلك الآية التي في الشورى
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ - وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها
[ الشورى : 20 ]
وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها
[ الشورى : 20 ] كذلك ،
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها
[ آل عمران : 145 ] وقيدتها وفسرتها التي في سبحان
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
[ الإسراء : 18 ] .
وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ
أي وهؤلاء المريدون بأعمالهم الدنيا هم في الدنيا لا ينقصون من جزائهم فيها بحسب أعمالهم لها وذلك في الغالب ، وليس بمطرد بل إن قضت به مشيئته سبحانه ورجحته حكمته البالغة . وقال القاضي : معنى الآية من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات والطيبات والمنافع ، فخص الجزاء بمثل ما ذكره وهو حاصل لكل عامل للدنيا ولو كان قليلا يسيرا . أه . وإنما عبر عن عدم نقص أعمالهم بنفي البخس الذي هو نقص الحق مع أنه ليس لهم شائبة حق فيما أوتوه كما عبر عن إعطائه بالتوفية التي هي إعطاء الحقوق مع أن أعمالهم بمعزل عن كونها مستوجبة لذلك ، بناء للأمر على ظاهر الحال ومحافظة على صور الأعمال ومبالغة في نفي النقص ، كأن ذلك نقص لحقوقهم فلا يدخل تحت الوقوع والصدور عن الكريم أصلا .