تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
فتاب عليهم وصرف عنهم العذاب وقعد يونس في الطريق يسأل عن الخبر فمر به رجل فقال : ما فعل قوم يونس ؟ فحدثه بما صنعوا فقال : لا راجع إلى قوم قد كذبتهم ، وانطلق مغاضبا ، يعني مراغما . وعن سعيد بن جبير قال : غشي قوم يونس العذاب كما يغشى القبر ، بالثوب إذا دخل فيه صاحبه ومطرت السماء دما . وعن ابن عباس : إن العذاب كان هبط على قوم يونس لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل فلما دعوا كشفه اللّه عنهم ، وقال قتادة : قدر ميل . وقال وهب : غامت السماء غيما اسود هائلا يدخن دخانا شديدا ، فهبط حتى غشى مدينتهم واسودت اسطحتهم فتابوا وأخلصوا النية فرحمهم ربهم وكشف ما نزل بهم من العذاب بعد ما أظلهم ، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء ، وكان يوم الجمعة ، قيل إنهم قالوا : يا حي حين لا حي ، ويا حي يحيي الموتى ، ويا حي لا إله إلا أنت . وقيل قالوا : اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلّت وأنت أعظم وأجلّ ، فافعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله ، قاله الفضيل بن عياض ، واللّه أعلم ما قالوه . ثم بيّن سبحانه أن الإيمان وضده كلاهما بمشيئة اللّه وتقديره فقال :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ
بحيث لا يخرج عنهم أحد
جَمِيعاً
مجتمعين على الإيمان لا يتفرقون فيه ويختلفون ، ولكنه لم يشأ ذلك لكونه مخالفا للمصلحة التي أرادها اللّه سبحانه . قال الأخفش : جاء بقوله جميعا بعد كلهم للتأكيد كقوله :
لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
[ النحل : 51 ] وقيل أتى به مع أن كلّا منهما يفيد الإحاطة والشمول للدلالة على أن وجود الإيمان منهم بصفة الاجتماع الذي لا يدل عليه كلهم ، ذكره الكرخي . ولما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم حريصا على إيمان جميع الناس أخبره اللّه بأن ذلك لا يكون لأن مشيئته الجارية على الحكمة البالغة والمصالح الراجحة لا تقتضي ذلك فقال :
أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ
استفهام تأديب للنبي صلى اللّه عليه وسلم أي اتكرههم بما لم يشأه اللّه منهم .
حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
فإن ذلك ليس في وسعك يا محمد ولا داخل تحت قدرتك ، وفي هذا تسلية له صلى اللّه عليه وسلم ودفع لما يضيق به صدره من طلب صلاح الكل الذي لو كان لم يكن صلاحا محققا بل يكون إلى الفساد أقرب ، وللّه الحكمة البالغة وإيلاء الاسم حرف الاستفهام للاعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه ، وإنما الشأن في المكروه من هو وما هو إلا هو وحده لا يشارك فيه لأنه هو القادر على أن يخلق في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان وذلك غير مستطاع للبشر .

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 100 إلى 103 ]

وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 100 ) قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 101 ) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 102 ) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ( 103 )