تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
ولا بتصديقه بل كان في شك ، وقيل المراد بالخطاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لا غيره والمعنى لو كنت ممن يلحقه الشك فيما أخبرناك به فسألت أهل الكتاب لأزالوا عنك الشك ، وقيل الشك هو ضيق الصدر أي إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر واسأل يخبرونك بصبر من قبلك من الأنبياء على اذى قومهم . وقيل معنى الآية الفرض والتقدير كأنه قال له فإن وقع لك شك مثلا وخيل لك الشيطان خيالا منه تقديرا ، فاسأل فإنهم سيخبرونك عن نبوءتك وما نزل عليك ، ويعترفون بذلك لأنهم يجدونه مكتوبا عندهم ، وقد زال فيمن اسلم منهم ما كان مقتضيا للكتم عندهم .
لَقَدْ
أي أقسم لقد
جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
وفي هذا بيان ما يقلع الشك من أصله ويذهب به بجملته ، وهو شهادة اللّه سبحانه بأن هذا الذي وقع الشك فيه على اختلاف التفاسير في الشاك هو الحق الذي لا يخالطه باطل ولا تشوبه شبهة . ثم عقبه بالنهي للنبي صلى اللّه عليه وسلم عن الامتراء فقال :
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ
فيما أنزل اللّه عليه بل تستمر على ما أنت عليه من اليقين وانتفاء الشك ، ويمكن أن يكون هذا النهي له تعريضا لغيره كما في مواطن من الكتاب العزيز ، وهكذا القول في نهيه صلى اللّه عليه وسلم عن التكذيب في قوله تعالى :
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ
فإن الظاهر فيه التعريض ولا سيما بعد تعقيبه بقوله :
فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ
وفي هذا التعريض من الزجر للممترين والمكذبين ما هو أبلغ وأوقع من النهي لهم أنفسهم ، لأنه إذا كان ينهى عنه من لا يتصور صدوره عنه فكيف بمن يمكن منه ذلك .

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 96 إلى 99 ]

إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 96 ) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 97 ) فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ( 98 ) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 )
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ
قد تقدم مثله في هذه الصورة والمعنى أنه حق عليهم قضاء اللّه وقدره بأنهم يصرون على الكفر ويموتون عليه ، لا يقع منهم الإيمان بحال من الأحوال وإن وقع منهم ما صورته صورة الإيمان كمن يؤمن منهم عند معاينة العذاب فهو في حكم العدم ، قال مجاهد : حق عليهم سخط اللّه بما عصوه ، وقيل لعنة اللّه ، وقيل الكلمة هي قوله « خلقت هؤلاء للنار ولا أبالي » « 1 » .
وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ
من الآيات التكوينية والتنزيلية فإن ذلك لا ينفعهم لأن
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 239 ، بلفظ : « هذه في الجنة ولا أبالي وهذه في النار ولا أبالي » .