ثم بيّن سبحانه ما تقدم بقوله :
وَما كانَ
أي ما صحّ وما استقام
لِنَفْسٍ
من الأنفس
أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
أي بتسهيله وتيسيره ومشيئته لذلك فلا يقع غير ما يشاؤه كائنا ما كان
وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ
بكسر الراء وضمنها لغتان ، أي العذاب أو السخط أو الكفر أو الخذلان الذي هو سبب العذاب ، وهذا معطوف على محذوف ، كأنه قيل فيأذن لبعضهم في الإيمان ويجعل الخ ، والمضارع في المعطوف والمعطوف عليه بمعنى الماضي .
والمراد بقوله :
عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
هم الكفار الذين لا يتعقلون حجج اللّه ولا يتفكرون في آياته ولا يتدبرون فيما نصبه لهم من الأدلة .
قُلِ انْظُرُوا
بضم اللام وكسرها سبعيتان
ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
لما بين سبحانه أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة اللّه أمر بالنظر والاستدلال بالدلائل السماوية والأرضية ، والمراد بالنظر التفكر والاعتبار ، أي قل يا محمد للكفار تفكروا واعتبروا بما فيهما من المصنوعات الدالة على الصانع ووحدته وكمال قدرته .
ثم ذكر سبحانه أن التفكر والتدبر في هذه الدلائل لا ينفع في حق من استحكمت شقاوته فقال :
وَما تُغْنِي
أي ما تنفع على أن
ما
نافية وهذا هو الظاهر ويجوز أن تكون استفهامية أي أيّ غنى تغني
الْآياتُ
هي التي عبّر عنها بقوله ماذا في السماوات والأرض ، ففي الكلام إظهار في مقام الاضمار ، والجملة إما حالية أو اعتراضية بنوع إيضاح
وَالنُّذُرُ
جمع نذير وهم الرسل أو جمع أنذار وهو المصدر
عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
في علم اللّه سبحانه ، والمعنى أن من كان هكذا لا يجدى فيه شيء ولا يدفعه عن الكفر دافع .
فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ
أي فهل ينتظر هؤلاء الكفار المعاصرون لمحمد صلى اللّه عليه وسلم بتكذيبه إلا مثل وقائع اللّه سبحانه بالكفار الذين خلوا من قبل هؤلاء قوم نوح وعاد وثمود ، فقد كان الأنبياء المتقدمون يتوعدون كفار زمانهم بأيام مشتملة على أنواع العذاب ، وهم يكذبونهم ويصممون على الكفر حتى ينزل اللّه عليهم عذابه ويحل بهم انتقامه ، والعرب تسمي العذاب أياما والنعم أياما ، كقوله تعالى :
وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ
[ إبراهيم : 5 ] .
ثم قال :
قُلْ
يا محمد ، لهؤلاء الكفار المعاصرين لك
فَانْتَظِرُوا
أي تربصوا لوعد ربكم
إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ
لوعد ربي ، وفي هذا تهديد شديد ووعيد بالغ بأنه سينزل بهؤلاء ما نزل بأولئك من الاهلاك .