سابق الدهر ولاحقه ، فمنهم من حبسه ذلك عن الخروج من الكفر ، ومنهم من حبسه عن الخروج إلى السنة من البدعة وإلى الرواية الصحيحة من الرأي البحت : قال أبو السعود : استئناف بياني مسوق لبيان أنه عليه السلام ألقمهم الحجر فانقطعوا عن الإتيان بكلام له تعلق بكلامه صلى اللّه عليه وسلم فضلا عن الجواب الصحيح ، واضطروا إلى التشبث بذيل التقليد الذي هو دأب كل عاجز محجوج وديدن كل عاند لدود . انتهى .
واللفت والفتل أخوان وكلاهما من باب ضرب ، يقال لفته لفتا إذا صرفه عن الشيء ولواه عنه ، وفي السمين : اللفت الليّ والصرف ، يقال لفته عن رأيه إذا صرفه ، ولواه عنه إلى ذات اليمين أو الشمال .
وقال الأزهري : لفت الشيء وفتله لواه وهذا من المقلوب .
قلت ولا يدعي فيه قلب حتى يرجح أحد اللفظين في الاستعمال على الآخر .
أي تريد أن تصرفنا عن الشيء الذي وجدنا عليه آباءنا وهو عبادة الأصنام .
وَتَكُونَ لَكُمَا
أي لموسى وهارون
الْكِبْرِياءُ
مصدر على وزن فعلياء ومعناها العظمة والملك والسلطان
فِي الْأَرْضِ
أي مصر ، وفيه خمسة أوجه جوزها أبو البقاء .
أحدها : أن يكون متعلقا بنفس الكبرياء . الثاني : أن يتعلق بنفس تكون . الثالث :
أن يتعلق بالاستقرار في لكما لوقوعه خبرا . الرابع : أن يكون حالا من الكبرياء .
الخامس : أن يكون حالا من الضمير في لكما لتحمله إياه .
قال الزجاج : سمي الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمور الدنيا ، وقيل سمي بذلك لأن الملك يتكبر ، والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين :
التمسك بالتقليد للآباء والحرص على الرياسة الدنيوية ، لأنهم إذا أجابوا النبي وصدقوه صارت مقاليد أمر أمته إليه ، ولم يبق للملك رياسة تامة لأن التدبير للناس بالدين يرفع تدبير الملوك لهم بالسياسات والعادات .
ثم قالوا :
وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ
تصريحا منهم بالتكذيب وقطعا للطمع في إيمانهم ، وقد أفردوا الخطاب لموسى في قولهم أجئتنا لتلفتنا ثم جمعوا بينه وبين هارون في الخطابين الأخيرين ، ووجه ذلك أنهم أسندوا المجيء والصرف عن طريق آبائهم إلى موسى لكونه المقصود بالرسالة المبلغ عن اللّه ما شرعه لهم ، وجمعوا بينهما في الضميرين الآخرين لأن الكبرياء شامل لهما في زعمهم ، ولكن ترك الإيمان بموسى يستلزم ترك الإيمان بهارون ، وقد مرت القصة في الأعراف .
وَقالَ فِرْعَوْنُ
لما رأى اليد البيضاء والعصا
ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ
لأنه اعتقد أنهما من السحرة فأمر قومه بأن يأتوا بكل ساحر ، أراد أن يعارض معجزة موسى بأنواع من التلبيس ليظهر أن ما أتى به موسى سحر ، وقد تقدم