تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
أنهيناه إليه وأبلغناه إياه . وقيل معناه ثم امضوا إليّ ، قال النحاس : هذا قول صحيح في اللغة ومنه قضى الميت مضى . وعن بعض القراء ثم أفضوا بالفاء أي توجهوا
وَلا تُنْظِرُونِ
أي ثم لا تمهلوني ولا تؤخروني ، بل عجلوا أمركم ونفذوا واصنعوا ما بدا لكم .

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 72 إلى 74 ]

فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 72 ) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ( 73 ) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ( 74 ) وفي هذا الكلام من نوح عليه السلام ما يدل على وثوقه بنصر ربه وعدم مبالاته بما يتوعده به قومه ، ثم بين لهم أن كل ما أتى به إليهم من الإعذار والإنذار وتبليغ الشريعة عن اللّه ليس هو لطمع دنيوي ولا لغرض خسيس فقال :
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ
أي إن أعرضتم عن العمل بنصحي لكم وتذكيري إياكم ، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها .
فَما سَأَلْتُكُمْ
في مقابلة ذلك عليه
مِنْ أَجْرٍ
تؤدونه إليّ حتى تتهموني فيما جئت به والفاء جزائية
إِنْ أَجْرِيَ
أي ما ثوابي في النصح والتذكير
إِلَّا عَلَى اللَّهِ
سبحانه فهو يثيبني آمنتم أو توليتم
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
المنقادين لحكم اللّه الذين يجعلون أعمالهم خالصة للّه سبحانه لا يأخذون عليها أجرا ولا يطمعون في عاجل أو من المستسلمين لكل ما يصعب من البلاء .
فَكَذَّبُوهُ
أي استمروا على تكذيبه وأصروا على ذلك . وليس المراد أحدثوا تكذيبه بعد أن لم يكن .
فَنَجَّيْناهُ
أي نوحا عليه السلام
وَمَنْ مَعَهُ
أي من قد أجابه وصار على دينه ، وكانوا ثمانين : أربعين رجلا وأربعين امرأة
فِي الْفُلْكِ
أي السفينة ، والمفرد على وزن قفل والجمع على وزن أسد والمراد هنا المفرد .
وَجَعَلْناهُمْ
أي الذين نجاهم معه في الفلك حملا على معنى من
خَلائِفَ
جمع خليفة ، والمعنى أنه سبحانه جعلهم خلفاء يسكنون الأرض التي كانت للمهلكين بالغرق ويخلفونهم فيها
وَأَغْرَقْنَا
بالطوفان
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
من الكفار المعاندين لنوح الذين لم يؤمنوا به ، تأخيره عن ذكر الانجاء والاستخلاف حسبما وقع في قوله تعالى :
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً
[ هود : 94 ] الآية لإظهار كمال العناية بشأن المقدم ولتعجيل المسرة للسامعين وللايذان بسبق الرحمة التي هي من مقتضيات الربوبية على الغضب الذي هو من مستتبعات جرائم المجرمين
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ
من إهلاكهم ، فكذلك نفعل بمن كذبك ، فيه تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتهديد للمشركين وتهويل عليهم .