تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
لأن الذنوب تحول بين صاحبها وبين إدراك الحق وإبصار الصواب ، قيل وهذه الجملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها .
فَلَمَّا جاءَهُمُ
أي فرعون وملأه
الْحَقُّ
أي المعجزات التسع
مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ
أي لم يؤمنوا بها ، بل حملوها على السحر مكابرة منهم .

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 77 إلى 80 ]

قالَ مُوسى أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَ سِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ( 77 ) قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ( 78 ) وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ( 79 ) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( 80 )
قالَ مُوسى
أي جملا ثلاثا : الأولى
أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ
قيل في الكلام حذف والتقدير أتقولون للحق سحر ، فلا تقولوا ذلك . ثم استأنف إنكارا آخر من جهة نفسه فقال :
أَ سِحْرٌ هذا
وهي الثانية والملجىء إلى هذا أنهم لم يستفهموه عن السحر حتى يحكي ما قالوه بقوله أسحر هذا بل هم قوم قاطعون بأنه سحر لأنهم قالوا إن هذا إلا سحر مبين ، فحينئذ لا يكون قوله :
أَ سِحْرٌ هذا
من قولهم . وقال الأخفش : هو قولهم ، وفيه نظر لما قدمنا . وقيل معنى أتقولون أتعيبون الحق وتطعنون فيه وكان عليكم أن تذعنوا له ثم قال
أَ سِحْرٌ هذا
منكرا لما قالوه ؛ والاستفهام للتقريع والتوبيخ بعد الجملة الأولى المستأنفة ، والمعنى أتقولون للحق لما جاءكم إن هذا لسحر مبين ، وهو أبعد شيء من السحر . ثم أنكر عليهم وقرعهم ووبخهم فقال :
أَ سِحْرٌ هذا
فجاء موسى عليه السلام بإنكار بعد إنكار وتوبيخ بعد توبيخ وتجهيل بعد تجهيل . والثالثة
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ
أي والحال كذا فلا يظفرون بمطلوب ولا يفوزون بخير ولا ينجون من مكروه ، فكيف يقع في هذا من هو مرسل من عند اللّه ، وقد أيده بالمعجزات والبراهين الواضحة ، وحاصل السحر تمويه وتخييل وصاحب ذلك لا يفلح أبدا .
قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا
مستأنفة قال مجاهد : لتلوينا وتصرفنا ، وقال السدي : لتصدنا عن آلهتنا ، وفي هذا ما يدل على أنهم انقطعوا عن الدليل وعجزوا عن إبراز الحجة ، ولم يجدوا ما يجيبون به عما أورده عليهم ، بل لجؤوا إلى ما يلجأ إليه أهل الجهل والبلادة ، وهو الاحتجاج بما كان عليه آباؤهم من الكفر ، وضموا إلى ذلك ما هو غرضهم وغاية مطلبهم وسبب مكابرتهم للحق وجحودهم للآيات البينة وهو الرياسة الدنيوية التي خافوا عليها وظنوا أنها ستذهب عنهم إن آمنوا . وكم بقي على الباطل وهو يعلم أنه باطل بهذه الذريعة من طوائف هذا العالم في
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 266 | صديق الحسيني القنوجي البخاري