على تخصيص التوكل به تعالى ، وهذه الجملة جواب الشرط ، والمعنى أني لا أقابل ذلك منكم إلا بالتوكل على اللّه ، فإن ذلك دأبي الذي أنا عليه قديما وحديثا ، ويجوز أن يريد إحداث مرتبة مخصوصة من مراتب التوكل ، ويجوز أن يكون جواب الشرط فأجمعوا كما يأتي ، قاله الأكثرون ، والجملة اعتراض كقولك إن كنت أنكرت عليّ شيئا فاللّه حسبي وثقتي .
وقيل
فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ
عطف على الجواب ، وجزم السفاقسي بأن جوابه محذوف أي فافعلوا ما شئتم ، والمعنى اعزموا عليه ، من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء ، وروي عنه أجمع الشيء أعده وقال مؤرج السدوسي : أجمع الأمر أفصح من أجمع عليه ، وقال أبو الهيثم : أجمع أمره جعله جميعا بعد ما كان متفرقا ، وتفرقه أن يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه أي جعله جميعا .
فهذا هو الأصل في الاجماع ثم صار بمعنى العزم والتصميم ، يقال أجمع في المعاني وجمع في الأعيان وقد يستعمل كل واحد مكان الآخر ، وفي التنزيل
فَجَمَعَ كَيْدَهُ
[ طه : 60 ] قال ابن الأنباري : المراد من الأمر هنا وجوه كيدهم ومكرهم فالتقدير لا تدعو من أمركم شيئا إلا أحضرتموه .
وَشُرَكاءَكُمْ
أي ادعوهم لنصرتكم ، قاله الكسائي والفراء ، وقال الزجاج والفارسي : والمعنى مع شركائكم ، ولم يذكر الزمخشري غير هذا ، وقيل أجمعوا شركاءكم ، وفي مصحف أبي : وادعوا شركاءكم ، قال النحاس وغيره : وقراءة الرفع بعيدة ، وقال المهدوي : يجوز رفع الشركاء بالابتداء والخبر محذوف أي وشركاؤكم ليجمعوا أمرهم ، ونسبة ذلك إلى الشركاء مع كون الأصنام لا تعقل لقصد التوبيخ والتقريع لمن عبدها .
ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً
أي خفيا ، والغمة التغطية من قولهم غم الهلال إذا استتر أي ليكن أمركم ظاهرا منكشفا قاله الزجاج : وقال الهيثم : معناه لا يكن أمركم مبهما ، وقيل إن الغمة ضيق الأمر ، كذا روي عن أبي عبيدة .
والمعنى لا يكون أمركم عليكم بمصاحبتي والمجاملة لي ضيقا شديدا بل ادفعوا هذا الضيق والشدة بما شئتم وقدرتم عليه ، وعلى الوجهين الأولين يكون المراد بالأمر الثاني هو الأمر الأول ، وعلى الثالث يكون المراد غيره ، وإنما نسب عدم الستر الذي هو عدم الغمة إلى الأمر مبالغة .
ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ
ذلك الأمر الذي تريدونه بي ؛ وأصل اقضوا من القضاء وهو الاحكام ، والمعنى احكموا ذلك الأمر .
قال الأخفش والكسائي : هو مثل
وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ
[ الحجر : 66 ] أي