تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
ثم بين سبحانه أن هذا الافتراء وإن فاز صاحبه بشيء من المطالب العاجلة فهو
مَتاعٌ
قليل
فِي الدُّنْيا
ثم يتعقبه الموت والرجوع إلى اللّه ، فيعذب المفتري عذابا مؤبدا ، والجملة مستأنفة لبيان أن ما يحصل للمفتري بافترائه وما يتراءى فيه بحسب الظاهر من نيل المطالب والحظوظ الدنيوية بمعزل أن يكون من جنس الفلاح وليس بفائدة يعتد بها ، بل هو متاع يسير في الدنيا يتعقبه الموت والعذاب الشديد بسبب الكفر الحاصل بأسباب من جملتها الكذب على اللّه ، وليس بنافع في الآخرة ، وقال الأخفش : إن التقدير لهم متاع في الدنيا ، وقال الكسائي : ذلك متاع أو هو متاع .
ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ
بعد الموت
ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما
أي بسبب ما
كانُوا يَكْفُرُونَ
أي يجحدون في الدنيا من نعمة اللّه عليهم ويصفونه بما لا يليق بجلاله . ولما بالغ سبحانه في تقرير البراهين الواضحة ودفع الشبه المنهارة شرع في ذكر قصص الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم ، لما في ذلك من التسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم والأسوة بمن سلف من الأنبياء ، ولما كان قوم نوح أول الأمم هلاكا وأعظمهم كفرا وجحودا ذكر اللّه قصتهم وأنه أهلكهم بالغرق ليصير ذلك موعظة وعبرة لكفار قريش فقال :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ
أي على الكفار المعاصرين لك المعارضين لما جئت به بأقوالهم الباطلة
نَبَأَ نُوحٍ
أي خبره ، والنبأ هو الخبر الذي له خطر وشأن ؛ والمراد بعض ما جرى له مع قومه الذين كفروا بما جاء به كما فعله كفار قريش وأمثالهم .
إِذْ
أي وقت أن
قالَ لِقَوْمِهِ
اللام لام التبليغ
يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ
أي عظم وثقل
عَلَيْكُمْ مَقامِي
من باب الإسناد المجازي كقولهم ثقل عليّ ظله ، والمقام بفتح الميم الموضع الذي يقام فيه ، وبالضم مكان الإقامة أو الإقامة نفسها ، وقد اتفق القراء هنا على الفتح . وقرأ أبو رجاء وأبو مجلز وابن الجوزي بالضم ، قال ابن عطية : ولم يقرأ هنا بالضم ، وكأنه لم يطلع على قراءة هؤلاء ، وكنى بالمقام عن نفسه كما يقال فعلته لمكان فلان أي لأجله ، ومنه
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ
[ الرحمن : 46 ] أي خاف ربه ، ويجوز أن يراد بالمقام المكث أي شق عليكم مكثي بين أظهركم لأنه مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، ويجوز أن يراد بالمقام القيام لأن الواعظ يقوم حال وعظه . والمعنى إن كان كبر عليكم قيامي بالوعظ في مواطن اجتماعكم
وَ
كبر عليكم
تَذْكِيرِي
لكم
بِآياتِ اللَّهِ
التكوينية والتنزيلية
فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ
أي دمت