وذكر المبرد في ذلك وجهين : الأول : أنها بدت في وجوههم أسرة الندامة وهي الانكسار واحدها سرار وجمعها أسارير . والثاني : ما تقدم وقيل معنى أسروا الندامة أخلصوها لأن إخفاءها إخلاصها ، قيل إنه ماض على بابه قد وقع ، وقيل بل هو بمعنى المستقبل .
لَمَّا
ظرف بمعنى حين أي حين
رَأَوُا الْعَذابَ
أي وقوع هذا منهم كان عند رؤية العذاب ومعاينته ، وأما بعد الدخول فيه فهم الذين قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا .
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
أي العدل مستأنفة وهو الظاهر أو معطوفة على رأوا أي قضى اللّه بين المؤمنين وبين الكافرين أو بين الرؤساء أو بين الظالمين من الكفار والمظلومين بالعدل ، وقيل معنى القضاء بينهم إنزال العقوبة عليهم
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
أي لا يظلمهم اللّه فيما فعله بهم من العذاب الذي حل بهم فإنه بسبب ما كسبوا .
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 55 إلى 56 ]
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 55 ) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 56 )
وجملة
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
مسوقة لتقرير كمال قدرته لأن من ملك ما في السماوات والأرض يتصرف به كيف يشاء ، وغلب غير العقلاء لأنهم أكثر المخلوقات ، قيل لما ذكر سبحانه افتداء الكفار بما في الأرض لو كان لهم ذلك بين أن الأشياء كلها للّه وليس لهم شيء يتمكنون من الافتداء به .
وقيل لما أقسم على حقية ما جاء به النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أراد أن يصحب من ذلك بدليل البرهان البين ، بأن ما في العالم على اختلاف أنواعه ملكه يتصرف به كيف يشاء وفي تصدير الجملة بحرف التنبيه انتباه للغافلين وايقاظ للذاهلين .
ثم أكد ما سبق بقوله :
أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
أي كائن لا محالة وهو عام يندرج فيه ما استعجلوه من العذاب اندراجا أوليا ، وتصدير الجملة بحرف التنبيه كما قلنا في التي قبلها مع الدلالة على تحقق مضمون الجملتين وتقرير ما سلف من الآيات الكريمة والتنبيه على وجوب استحضار المحافظة عليه
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ
أي أكثر الناس يعني الكفار
لا يَعْلَمُونَ
ما فيه صلاحهم فيعملون به وما فيه فسادهم فيجتنبونه لقصور عقلهم واستيلاء الغفلة عليهم .
هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ
أي يهب الحياة ويسلبها
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
في الدار الآخرة فيجازي كلّا بما يستحقه ويتفضل على من يشاء من عباده .
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 57 إلى 59 ]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 57 ) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 )