والحرث حسبما سبق حكاية ذلك عنهم في سورة الأنعام من الكتاب العزيز ، وقيل ما استفهامية ، وإليه ذهب الحوفي والزمخشري والظاهر أنها موصولة كما تقدم لأن فيه إبقاء أرأيت على بابها ، ومعنى إنزال الرزق كون المطر ينزل من جهة العلو .
وقال الزجاج : أنزل بمعنى خلق كما قال :
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ
[ الزمر : 6 ]
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ
[ الحديد : 25 ]
قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ
في هذا التحليل والتحريم والهمزة للإنكار
أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
أم منقطعة بمعنى بل كما في الكشاف ، والظاهر أنها متصلة كما قال السفاقسي : أي آللّه أذن لكم أم تكذبون عليه في نسبة الإذن إليه .
قال الكرخي : وكفى به زاجرا لمن أفتى بغير اتقان كبعض فقهاء هذا الزمان ا ه .
وإظهار الاسم الشريف وتقديمه على الفعل للدلالة على كمال قبح الافتراء .
قلت وفي هذه الآية الشريفة ما يصك مسامع المتصدرين للافتاء لعباد اللّه في شريعته بالتحليل والتحريم والجواز وعدمه ، مع كونهم من المقلدين الذين لا يعقلون حجج اللّه ولا يفهمونها ولا يدرون ما هي ، ومبلغهم من العلم الحكاية لقول قائل من هذه الأمة قد قلدوه في دينهم وجعلوه شارعا مستقلا ، ما عمل به من الكتاب والسنة فهو المعمول به عندهم وما لم يبلغه أو بلغه ولم يفهمه حق فهمه وأخطأ الصواب في اجتهاده وترجيحه فهو في حكم المنسوخ عندهم ، المرفوع حكمه عن العباد ، مع كون من قلدوه متعبدا بهذه الشريعة كما هم متعبدون بها ومحكوما عليه بأحكامها كما هم محكوم عليهم بها ، وقد اجتهد رأيه وأدى ما عليه وفاز بأجرين مع الإصابة وأجر مع الخطأ ، إنما الشأن في جعلهم لرأيه الذي أخطأ فيه شريعة مستقلة ودليلا معمولا به .
وقد أخطؤوا في هذا خطأ بيّنا وغلطوا غلطا فاحشا فإن الترخيص للمجتهد في اجتهاد رأيه يخصه وحده ، ولا قائل من أهل الإسلام المعتد بأقوالهم أنه يجوز لغيره أن يعمل به تقليدا له واقتداء به ، وما جاء به المقلدة في تقويم هذا الباطل فهو من الجهل العاطل ، اللهم كما رزقتنا من العلم ما نميز به الحق والباطل فارزقنا من الإنصاف ما نظفر عنده بما هو الحق عندك يا واهب الخير .
قال النسفي : الآية زاجرة عن التجوز فيما يسأل من الأحكام وباعثة على وجوب الاحتياط فيه وأن لا يقول أحد في شيء جائز . أو غير جائز إلا بعد إيقان واتقان وإلا فهو مفتر على الديّان .
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 60 إلى 61 ]
وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ( 60 ) وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 61 )