تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
للناقصين ، وهي النبوة فهذه درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الألفاظ القرآنية لا يمكن تأخير ما تقدم ذكره ا ه . ثم أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وجعل الخطاب معه بعد خطابه للناس على العموم فقال :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ
المراد بالفضل من اللّه سبحانه تفضله على عباده في الآجل والعاجل بما لا يحيط به الحصر والرحمة رحمة لهم ، وروي عن ابن عباس أنه قال : فضل اللّه القرآن ، ورحمته الإسلام ؛ وعن الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة أن فضل اللّه الإيمان ورحمته القرآن . وعن أنس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « فضل اللّه القرآن ورحمته : أن جعلكم من أهله » . رواه أبو الشيخ وابن مردويه ، وقد روي عن جماعة من التابعين نحو هذه الروايات المتقدمة ، والأولى حمل الفضل والرحمة على العموم ، ويدخل في ذلك ما في القرآن منهما دخولا أوليا . وتكرير الباء في برحمته للدلالة على أن كل واحد من الفضل والرحمة سبب مستقل في الفرح ، وأصل الكلام قل بفضل اللّه وبرحمته فيفرحوا ثم حذف هذا الفعل لدلالة الثاني عليه في قوله :
فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
وقيل إن فرحوا بشيء فليخصوا فضل اللّه ورحمته بالفرح وهو اللذة في القلب بسبب إدراك المطلوب وتقديم الظرف على الفعل لإفادة الحصر والتكرير للتأكيد والتقرير وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا وفي هاتين الفائين أوجه ذكرها في الجمل . وقد ذم اللّه سبحانه الفرح في مواطن كقوله :
لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
[ القصص : 76 ] وجوّزه في قوله :
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
[ آل عمران : 170 ] وكما في هذه الآية وقيل التقدير جاءتكم موعظة بفضل اللّه ورحمته فبذلك أي فبمحيئهما فليفرحوا
هُوَ خَيْرٌ
أي إن هذا خير لهم
مِمَّا يَجْمَعُونَ
من حطام الدنيا ولذاتها الفانية قرىء بالياء والتاء وهما سبعيتان . ثم أشار سبحانه بقوله :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا
إلى طريق أخرى غير ما تقدم في إثبات النبوة وتقرير ذلك ما حاصله أنكم تحكمون بتحليل البعض وتحريم البعض ، فإن كان بمجرد التشهي والهوى فهو مهجور باتفاق العقلاء مسلمهم وكافرهم ، وإن كان لاعتقادكم أنه حكم اللّه فيكم وفيما رزقكم فلا تعرفون ذلك إلا بطريق موصلة إلى اللّه ولا طريق يتبين بها الحلال من الحرام إلا من جهة الرسل الذين أرسلهم اللّه إلى عباده . والمعنى أخبروني الذي أنزل اللّه إليكم من رزق أي زرع وضرع وغيرهما فجعلتم بعضه حراما كالبحيرة والسائبة وبعضه حلالا كالميتة وذلك كما كانوا يفعلونه في الأنعام