وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ
أمر اللّه سبحانه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بأن يقول لهم أن أصروا على تكذيبه واستمروا عليه
لِي
جزاء
عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ
أي جزاؤه فقد أبلغت إليكم ما أمرت بإبلاغه وليس علي غير ذلك ، ثم أكد بقوله :
أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
أي لا تؤاخذون بعملي ولا أؤخذ بعملكم ، وفيه توكيد لما افادته لام الاختصاص من عدم تعدي أجر العمل إلى غير عامله .
وقد قيل إن هذا منسوخ بآية السيف لما فيه من إيهام الإعراض عنهم وتخلية سبيلهم كما ذهب إليه جماعة من المفسرين منهم مقاتل والكلبي ، وعن ابن زيد قال :
أمره اللّه بهذا ثم نسخه فأمره بجهادهم .
قال الرازي : وهو بعيد لأن شرط الناسخ أن يكون رافعا لحكم المنسوخ ، ومدلول الآية اختصاص كل واحد بأفعاله وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب وآية القتال ما رفعت شيئا من مدلولات هذه الآية ، بل هو باق فكان القول بالنسخ باطلا .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ
بين اللّه سبحانه في هذا أن في أولئك الكفار من بلغت حاله ، في النفرة والعداوة إلى هذا الحد وهي أنهم يستمعون إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا قرأ القرآن وعلم الشرائع في الظاهر ولكنهم لا يسمعون في الحقيقة لعدم حصول أثر السماع وهو حصول القبول والعمل بما يسمعونه ، وجمع الضمير في يستمعون حملا على معنى من وأفرده في ومنهم من ينظر حملا على لفظه ، قيل والنكتة كثرة المستمعين بالنسبة إلى الناظرين لأن الاستماع لا يتوقف على ما يتوقف عليه النظر من المقابلة وانتفاء الحائل وانفصال الشعاع والنور الموافق لنور البصر ، والتقدير في قوله ومنهم من يستمعون ومنهم من ينظر ومنهم ناس يستمعون ومنهم بعض ينظر .
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ
الهمزة للانكار يعني أن هؤلاء وإن استمعوا في الظاهر فهم صم والصمم مانع من سماعهم فكيف يطمع منهم في ذلك مع حصول المانع وهو الصمم ، فكيف إذا انضم إلى ذلك
وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ
فإن من كان أصمّ غير عاقل لا يفهم شيئا ولا يسمع ما يقال له ، والفاء عاطفة .
وفيه تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام فهم المعنى المقصود منه ، ولذلك لا توصف به البهائم ، وهو لا يتأتى إلا باستعمال العقل السليم في تدبره ، وعقولهم لما كانت مريضة بمعارضة الوهم ومتابعة الإلف والتقليد ، تعذر أفهامهم الحكم والمعاني الدقيقة فلم ينتفعوا بسرد الالفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق .
والكلام في
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ