تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
العرب ومن آلهتكم التي تجعلونها شركاء للّه
مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي من سوى اللّه من خلقه
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
في دعواكم أن هذا القرآن مفترى ، فإن ذلك مستلزم لإمكان الإتيان بمثله ، وهو أيضا مستلزم لقدرتكم عليه . وسبحان اللّه العظيم ما أقوى هذه الحجة وأوضحها وأظهرها للعقول ، فإنهم لما نسبوا الافتراء إلى واحد منهم في البشرية والعربية قال لهم : هذا الذي نسبتموه إليّ وأنا واحد منكم ليس عليكم إلا أن تأتوا وأنتم الجمع الجمّ بسورة مماثلة لسورة من سوره ، واستعينوا بمن شئتم من أهل هذه اللسان العربية على كثرتهم وتباين مساكنهم ، أو من غيرهم من بني آدم ومن الجن أو من الأصنام ، فإن فعلتم هذا بعد اللتيا والتي فأنتم صادقون فيما نسبتموه اليّ وألصقتموه بي . فلم يأتوا عند سماع هذا الكلام المنصف والتنزل البالغ بكلمة ولا نطقوا ببنت شفة ، بل كاعوا عن الجواب وتشبثوا بأذيال العناد البارد والمكابرة المجردة عن الحجة ، وذلك مما لا يعجز عنه مبطل . ومراتب تحدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالقرآن أربعة : أولها : أنه تحداهم بكل القرآن كما قال تعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ
. ثانيها : أنه تحداهم بعشر سور . قال تعالى :
قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ
[ هود : 13 ] . ثالثها : أنه تحداهم بسورة واحدة كما قال تعالى :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ
[ يونس : 38 ] . رابعها : أنه تحداهم بحديث مثله كما قال تعالى :
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ
[ الطور : 34 ] . فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها اللّه في اثبات أن القرآن معجز .

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 39 إلى 40 ]

بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 39 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ( 40 ) ثم إن اللّه تعالى ذكر السبب الذي لأجله كذبوا بالقرآن وأتى به عقب هذا التحدي البالغ فقال :
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ
فاضرب عن الكلام الأول وانتقل إلى بيان أنهم سارعوا إلى تكذيب القرآن قبل أن يتدبروه ويفهموا معانيه وما اشتمل عليه ، وهكذا صنع من تصلب في التقليد ولم يبال بما جاء به من دعا إلى الحق وتمسك بذيول الإنصاف ، بل يرده بمجرد كونه لم يوافق هواه ، ولا جاء على طبق دعواه قبل أن يعرف معناه ويعلم مبناه كما تراه عيانا ، وتعلمه وجدانا .