تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
الاستدلال بالخلق وقع كثيرا في القرآن كقوله :
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
[ الشعراء : 78 ] وقوله :
الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
وقوله :
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى
[ الأعلى : 2 ، 3 ] وفعل الهداية يجيء متعديا باللام وإلى وهما بمعنى واحد ، روي ذلك عن الزجاج . وقيل كما يعدى بإلى لتضمنه معنى الانتهاء باللام للدلالة على أن المنتهى غاية الهداية والمعنى متقارب ، وقد يحذف الحرف تخفيفا وقد جمع بين المتعديين هنا بحرف الجر ، فعدى الأول والثالث بإلى والثاني باللام والتعدية بهذين الحرفين من باب التفنن في البلاغة ، ولذلك قال الزمخشري هداه للحق وإلى الحق فجمع بين اللغتين : والمراد بالحق في المواضع الثلاثة ضد الباطل . ولما كانوا جاهلين بالجواب الحق في ذلك أو معاندين أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يجيب بقوله :
قُلْ
لهم
اللَّهُ
الذي له الإحاطة الكاملة
يَهْدِي لِلْحَقِّ
من يشاء دون غيره ممن زعمتموهم شركاء ، ودليل ذلك ما تقدم من الأدلة الدالة على اختصاصه سبحانه بهذا ، وهداية اللّه سبحانه لعباده إلى الحق هي بما نصبه لهم من الآيات في المخلوقات وارساله للرسل وانزاله للكتب ، وخلقه لما يتوصل به العباد إلى ذلك من العقول والافهام والاسماع والابصار . والاستفهام في قوله :
أَ فَمَنْ
للتقرير والزام الحجة والفاء لترتيبه على ما سبق وهو برهان ثامن لم يذكر جوابه في الآية ، والمعنى أفمن
يَهْدِي
الناس
إِلَى الْحَقِّ
وهو اللّه سبحانه
أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ
ويقتدى
أَمَّنْ لا يَهِدِّي
أي أم الأحق بأن يتبع ويقتدى به من لا يهتدى بنفسه
إِلَّا أَنْ يُهْدى
الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا يهتدي في حال من الأحوال إلا في حال هدى الغير إياه ، وكان مقتضى المقابلة أن يقال أم من لا يهدي ، وإنما خولف إشارة إلى أنه إذا لم يهتد بنفسه لا يهدي غيره . وقال النحاس : الاستثناء منقطع كما تقول فلان لا يسمع غيره إلا أن يسمع أي لكنه يحتاج أن يسمع ، فمعنى إلا أن يهدى أي لكنه يحتاج أن يهدى
فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
هذا تعجيب من حالهم باستفهامين متواليين أي أيّ شيء يثبت لكم في هذه الحالة ؟ فهذه جملة مستقلة ، وكيف تحكمون لي باتخاذ هؤلاء شركاء للّه ؟ وهي جملة أخرى مستقلة ، وكلا الاستفهامين للتقريع والتوبيخ . ثم بين سبحانه ما هؤلاء عليه في أمر دينهم وعلى أي شيء بنوه وبأي شيء اتبعوا هذا الدين الباطل وهو الشرك فقال :
وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا
هذا كلام مبتدأ غير داخل في الأوامر السابقة ، والمعنى ما يتبع هؤلاء المشركون في إشراكهم باللّه وجعلهم له أندادا إلا مجرد الظن والتخمين والتحدس ، ولم يكن ذلك عن بصيرة
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 236 | صديق الحسيني القنوجي البخاري