بدّ من أخذ الزاد ، وأخذ المال لا يخلو من زلة ، كما أن خائض الماء لا ينجو من بلة ، وجمعه وإمساكه ، تلف صاحبه وإهلاكه ، فما دون النصاب كضحضاح ماء ؛ يجاوز بلا احتماء ، والنصاب كنهر حائل بين المجتاز والجواز إلى المفاز لا يمكن إلا بقنطرة وهي الزكاة وعمارتها بذل الصلاة ، فمتى اختلت القنطرة غرقته أمواج القناطير المقنطرة .
وكذا المال يساعد الأوغاد ، دون الأمجاد ، كما أن الماء يجتمع في الوهاد دون النجاد ، وكذلك المال لا يجتمع إلا بكد البخيل ، كما أن الماء لا يجتمع إلا بسد المسيل ثم يفنى ويتلف ولا يبقى كالماء في الكف انتهى .
وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ
لما نفر عباده عن الميل إلى الدنيا بما ضربه لهم من المثل السابق ، رغبهم في الدار الآخرة بإخبارهم بهذه الدعوة منه عزّ وجلّ إلى دار السلام ، قال الحسن وقتادة : السلام هو اللّه تعالى وداره الجنة ، وقال الزجاج : والمعنى واللّه يدعو إلى دار السلامة ، ومعنى السلام والسلامة واحد كالرضاع والرضاعة .
وقيل أراد دار السلام الذي هو التحية لأن أهلها ينالون من اللّه السلام بمعنى التحية كما في قوله :
تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ
[ إبراهيم : 23 ] وقيل السلام اسم لأحد الجنان السبع أحدها : دار السلام والثانية : دار الجلال والثالثة : جنة عدن والرابعة :
جنة المأوى والخامسة : جنة الخلد والسادسة : جنة الفردوس والسابعة : جنة النعيم .
وقيل المراد دار السلام الواقع من المؤمنين بعضهم على بعض في الجنة ، وقد اتفقوا على أن دار السلام هي الجنة ، وإنما اختلفوا في سبب التسمية بدار السلام .
وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
هدايته ، قال أبو العالية : يهديهم للمخرج من الشبهات والفتن والضلالات
إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
دين الإسلام ، جعل سبحانه الدعوة إلى دار السلام عامة والهداية خاصة بمن يشاء أن يهديه تكميلا للحجة وإظهارا للاستغناء عن خلقه .
أخرج ابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي جعفر محمد بن علي قال : حدثني جابر قال : خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يوما فقال : « إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه اضرب له مثلا ، فقال اسمع سمعت أذنك واعقل عقل قلبك ، إنما مثلك ومثل أمتك مثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بيتا ثم جعل فيها مأدبة ، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه ، فمنهم من أجاب الرسول ، ومنهم من ترك فاللّه هو الملك والدار الإسلام والبيت الجنة وأنت يا محمد رسول ، فمن أجابك دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل منها » « 1 » وقد روي معنى هذا من طرق .
هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ، كتاب تعبير الرؤيا 4 / 393 .