تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
حَصِيداً
أي جعلنا زرعها شبيها بالمحصود في قطعه من أصوله ، قال أبو عبيدة : الحصيد المستأصل وقيل المقطوع بالمناجل .
كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
أي كأن لم يكن زرعها موجودا فيها بالأمس مخضرا طريا ، من غني بالمكان بالكسر يغني بالفتح إذا أقام ، قال البيضاوي : أي لم تلبث أي لم تقم ولم تمكث . وقيل لم تكن ولم توجد ، وفي القاموس ما يقتضي أن غني يأتي بمعنى كان ووحد كقوله غنيت دارنا بتهامة أي كانت بها . والمراد بالأمس الوقت القريب والزمن الماضي لا خصوص اليوم الذي قبل يومك ، قاله الكرخي ، والمغاني في اللغة المنازل ، وقال قتادة : كأن لم ينعم ، وقرأ « لم يغن » بالتحتية بإرجاع الضمير إلى الزخرف ، قرأ من عده « تغن » بالفوقية بإرجاع الضمير إلى الأرض .
كَذلِكَ
أي مثل ذلك التفصيل البديع
نُفَصِّلُ الْآياتِ
القرآنية التي من جملتها هذه الآية المنبهة على أحوال الدنيا ، ويجوز أن يراد الآيات التكوينية
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
فيما اشتملت عليه ، عن أبي مجلز قال : كان مكتوبا في سورة يونس إلى جنب هذه الآية ( ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى ثالثا ولا يشبع نفس ابن آدم إلا التراب ، ويتوب اللّه على من تاب ) فمحيت . قال النسفي في الآية : هذا من التشبيه المركب ، شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأرض في جفافه ، وذهابه حطاما بعد ما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه ، والتنبيه على حكمة التشبيه أن الحياة صفوها شبيبتها وكدرها شيبتها ، كما أن صفو الماء في أعلى الإناء :
ألم تر أن العمر كأس سلافة * فأوله صفو وآخره كدر
وحقيقته تزيين جثة الطين بمصالح الدنيا والدين كاختلاط النبات على اختلاف التلوين ، فالطينة الطيبة تنبت بساتين الأنس ورياحين الروح وزهرة الزهد وكروم الكرم ، وحبوب الحب ، وحدائق الحقيقة وشقائق الطريقة . والخبيثة تخرج خلاف الخلف ؛ وثمام الإثم وشوك الشرك ، وشيح الشح وحطب العطب ولعاع اللعب . ثم يدعوه معاده ، كما يحين للحرث حصاده ، فتزايله الحياة مغترا كما يهيج النبات مصفرا ، فتغيب جثته في الرمس كأن لم تغن بالأمس ، إلى أن يعود ربيع البعث وموعد العرض والبحث . وكذلك حال الدنيا كالماء ينفع قليله ، ويهلك كثيره ولا بدّ من ترك ما زاد ، كما لا