تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
متاع كما في قوله تعالى :
إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ
[ الأحقاف : 35 ] أي هذا بلاغ . وقد نوقش أيضا بعض هذه الوجوه في توجيه الرفع بما يطول به البحث في غير طائل ، والحاصل أنه إذا جعل خبر المبتدأ على أنفسكم فالمعنى أن ما يقع من البغي على الغير هو بغي على نفس الباغي باعتبار ما يؤول إليه الأمر من الانتقام منه مجازاة على بغيه ، وإن جعل الخبر متاعا فالمراد أن بغي هذا الجنس الإنساني على بعضه بعضا هو سريع الزوال قريب الاضمحلال كسائر أمتعة الحياة الدنيا فإنها ذاهبة عن قريب متلاشية بسرعة ليس لذلك كثير فائدة ولا عظيم جدوى . وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم والخطيب في تاريخه عن أنس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ثلاث هن رواجع على أهلها : المكر والنكث والبغي » ، ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
[ يونس : 23 ]
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
[ فاطر : 43 ]
فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
[ الفتح : 10 ] . وعن مكحول : ثلاث من كن فيه كن عليه : المكر والبغي والنكث . أقول أنا : وينبغي أن يلحق بهذه الثلاث التي دل القرآن على أنها تعود على فاعلها « الخدع » فإن اللّه يقول :
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
[ البقرة : 9 ] وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لو بغى جبل على جبل لاندك الباغي منهما » . ثم ذكر سبحانه ما يكون على ذلك البغي من المجازاة يوم القيامة مع وعيد شديد فقال :
ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ
تقديم الخبر للدلالة على الثبات والقصر ، والمعنى أنكم بعد هذه الحياة الدنيا ومتاعها ترجعون إلى اللّه سبحانه فيجازي المسئ بإساءته والمحسن بإحسانه .
فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
في الدنيا من خير وشر ، والمراد بذلك المجازاة كما تقول لمن أساء سأخبرك بما صنعت وفيه أشد وعيد وأفظع تهديد . ثم لما ذكر سبحانه ما تقدم من متاع الدنيا جاء بكلام مستأنف يتضمن بيان حالها وسرعة تقتضيها وقصر مدة التمتع بها وقرب زمان الرجوع الموعود به ، بعد أن تملأ الأعين برونقها وتخلب النفوس ببهجتها ، وتحمل أهلها على أن يسفكوا دماء بعضهم بعضا ويهتكوا حرمهم ، حبا لها وعشقا لجمالها الظاهري ، وتكالبا على التمتع بها وتهافتا على نيل ما تشتهي الأنفس منها بضرب من التشبيه المركب العجيب البديع المثال المنتظم في سلك الأمثال فقال .

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 24 إلى 25 ]

إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 24 ) وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 25 )