وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
أي زعموا أنهم يشفعون في الآخرة فلا يعذبهم اللّه بذنوبهم ؛ قاله ابن جريج ، وهذا غاية الجهالة منهم حيث ينتظرون الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال ، وقيل أرادوا بهذه الشفاعة إصلاح أحوال دنياهم ، قاله الحسن ، أي لإنكارهم البعث وما يترتب عليه . ثم أمر اللّه سبحانه وتعالى رسوله صلى اللّه عليه وسلم بأن يجيب عنهم فقال
قُلْ
لهم تبكيتا
أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
والمعنى أتخبرون اللّه أن له شركاء في ملكه يعبدون كما يعبد ، أو أتخبرونه أن لكم شفعاء بغير إذنه واللّه سبحانه لا يعلم لنفسه شريكا ولا شفيعا بغير إذنه من جميع مخلوقاته الذين هم في سماواته وفي أرضه ، وهذا الكلام حاصله عدم وجود من هو كذلك أصلا وفي هذا من التهكم بالكفار ما لا يخفى .
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
بالياء والتاء سبعيتان ، نزه اللّه سبحانه نفسه عن إشراكهم ، وهو يحتمل أن يكون ابتداء كلام غير داخل في الكلام الذي أمر اللّه سبحانه رسوله بأن يجيب به عليهم ويحتمل أن يكون من تمام ما أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يقوله لهم جوابا عليهم .
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 19 إلى 20 ]
وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 19 ) وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 20 )
وَما كانَ النَّاسُ
قد تقدم تفسيره في البقرة والمعنى أن الناس جميعا ما كانوا
إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً
موحدة للّه سبحانه مؤمنة به من لدن آدم إلى نوح ، وقيل من عهد إبراهيم إلى عمرو بن لحي لأن التوحيد والإسلام ملة قديمة اجتمعت عليه الناس قاطبة فطرة وتشريعا ، وأن الشرك وفروعه جهالات ابتدعها الغواة .
فَاخْتَلَفُوا
أي فصار البعض كافرا ، وبقي البعض الآخر مؤمنا فخالف بعضهم بعضا ، وقال الزجاج : هم العرب كانوا على الشرك وقال : كل مولود يولد على الفطرة فاختلفوا عند البلوغ والأول أظهر ؛ وليس المراد أن كل طائفة أحدثت ملة من ملل الكفر مخالفة للأخرى بل المراد كفر البعض وبقي البعض على التوحيد كما قدمنا ، وقال ابن مسعود : كانوا على هدى ، وروي أنه قرأ هكذا .
وعن مجاهد قال : آدم وحده فاختلفوا حين قتل أحد ابني آدم أخاه ، وعن السدي قال : أهل دين واحد على دين آدم فكفروا وقيل ليس في الآية ما يدل على أي دين كانوا من إيمان أو كفر فهو موقوف على دليل من خارج ، وقيل كانوا في الكفر وهو منقول عن جماعة من المفسرين والأول أولى .