تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
ثم أمره أن يؤكد ما أجاب به عليهم من أنه ما صح له ولا استقام أن يبدله من تلقاء نفسه بقوله
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
من عند اللّه سبحانه من غير تبديل ولا تحويل ولا تحريف ولا تصحيف ، فقصر حاله صلى اللّه عليه وسلم على اتباع ما يوحى إليه ، وربما كان مقصد الكفار بهذا السؤال التعريض للنبي صلى اللّه عليه وسلم بأن القرآن كلامه ، وأنه يقدر على الإتيان بغيره والتبديل له . ثم أمره اللّه سبحانه أن يقول لهم تكميلا للجواب عليهم
إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
فإن هذه الجملة كالتعليل لما قدمه من الجواب قبلها واليوم العظيم هو يوم القيامة ، أي إني أخاف إن عصيت ربي بفعل ما تطلبون على تقدير إمكانه عذاب يوم القيامة . ثم أكد سبحانه كون هذا القرآن من عند اللّه وأنه صلى اللّه عليه وسلم إنما يبلغ إليهم منه ما أمره اللّه بتبليغه لا يقدر على غير ذلك فقال
قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ
أي إن هذا القرآن المتلو عليكم هو بمشيئة اللّه وإرادته ولو شاء اللّه أن لا أتلوه عليكم ولا أبلغكم إياه
ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ
فالأمر كله منوط بمشيئة اللّه ليس لي في ذلك شيء
وَلا أَدْراكُمْ بِهِ
أي ولو شاء اللّه ما أدراكم بالقرآن أي ما أعلمكم به على لساني ، يقال دريت الشيء وأدراني اللّه به ، هكذا قرأ الجمهور بالألف من أدراه يدريه ، أعلمه يعلمه ، وقرأ ابن كثير : ولأدراكم به بغير ألف بين اللام والهمزة والمعنى لأعلمكم به على لسان غيري من غير أن أتلوه عليكم ، فيكون اللام لام تأكيد دخلت على ألف أفعل . وقد قرىء أدرأكم بالهمزة فقيل هي منقلبة عن الألف لكونهما من واد واحد ، ويحتمل أن يكون من درأته إذا دفعته وأدرأته إذا جعلته داريا ، والمعنى لا أجعلكم بتلاوته خصماء تدرؤونني بالجدال وتكذبونني ، وقرأ ابن عباس والحسن ولا أدرأتكم به قال أبو حاتم : أصله ولا أدريتكم به فأبدل من الياء ألفا ، قال النحاس : وهذا غلط ، والرواية عن الحسن ولا أدرأتكم به بالهمزة .
فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ
تعليل لكون ذلك بمشيئة اللّه ولم يكن من النبي صلى اللّه عليه وسلم إلا التبليغ ، أي أقمت فيما بينكم زمانا طويلا من قبل القرآن وهو أربعون سنة تعرفونني بالصدق والأمانة لست ممن يقرأ ولا ممن يكتب
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
الهمزة للتقريع والتوبيخ أي أفلا تجرون على ما يقتضيه العقل من عدم تكذيبي لما عرفتم من العادة المستمرة لي المدة الطويلة بالصدق والأمانة وعدم قراءتي للكتب المنزلة على الرسل وتعلمي لما عند أهلها من العلم ولا طلبي لشيء من هذا الشأن ولا حرصي عليه . ثم جئتكم بهذا الكتاب الذي عجزتم عن الإتيان بسورة منه وقصرتم عن معارضته وأنتم العرب المشهود لهم بكمال الفصاحة ، المعترف لهم بأنهم البالغون فيها إلى مبلغ لا يتعلق به غيركم .