الواحدي والرازي ، وقيل لنعامل معاملة من ينظر فهي استعارة تمثيلية والأول أولى .
عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن الدنيا حلوة خضرة وإن اللّه مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا واحذروا فتنة النساء » « 1 » . أخرجه مسلم .
ثم حكى اللّه سبحانه نوعا ثالثا من تعنتهم وتلاعبهم بآياته فقال
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ
فيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة إعراضا عنهم
آياتُنا
التي في الكتاب العزيز ، أي وإذا تلا التالي عليهم آياتنا الدالة على إثبات التوحيد وإبطال الشرك حال كونها
بَيِّناتٍ
أي واضحات الدلالة على المطلوب
قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا
أي لا يخافون البعث وهم المنكرون للمعاد . وقال قتادة : هم مشركو مكة ، وقد تقدم تفسيره قريبا ، أي قالوا لمن يتلوها عليهم وهو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ
طلبوا منه صلى اللّه عليه وسلم لما سمعوا ما غاظهم فيما تلاه عليهم من القرآن من ذم عبادة الأوثان والوعيد الشديد لمن عبدها أحد أمرين : إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله ؛ وإما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض آياته أو كلها ووضع أخرى مكانها مما يطابق إرادتهم ويلائم غرضهم .
قال الرازي : إقدامهم على هذا الالتماس إما على سبيل السخرية والاستهزاء أو على سبيل التجربة والامتحان ، حتى أنه لو فعل ذلك علموا أنه كاذب في قوله إن هذا القرآن ينزل عليه من عند اللّه تعالى .
فأمره اللّه أن يقول في جوابه
قُلْ ما يَكُونُ
أي ما ينبغي ولا يحل
لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي
فنفى عن نفسه أحد القسمين وهو التبديل لأنه الذي يمكنه لو كان ذلك جائزا بخلاف القسم الآخر وهو الإتيان بقرآن آخر ، فإن ذلك ليس بوسعه ولا يقدر عليه .
وقيل إنه صلى اللّه عليه وسلم نفى عن نفسه أسهل القسمين ليكون دليلا على نفي أصعبهما بالطريق الأولى ، وهذا منه صلى اللّه عليه وسلم من باب مجازاة السفهاء . إذ لا يصدر مثل هذا الاقتراح عن العقلاء بعد أن أمره اللّه سبحانه بذلك وهو أعلم بمصالح عباده وبما يدفع الكفار عن هذه الطلبات الساقطة والسؤالات الباردة .
قال الزجاج : سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور ، وقيل سألوه أن يسقط ما فيه من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم ، وقيل سألوه أن يحول الوعد وعيدا والحرام حلالا والحلال حراما .
هامش
( 1 ) أخرجه بلفظ قريب منه مسلم في الرقاق حديث 99 ، والترمذي في الفتن باب 26 ، والزهد باب 41 ، وابن ماجة في الفتن باب 19 ، والدارمي في الرقاق باب 37 ، وأحمد في المسند 3 / 7 ، 19 ، 22 ، 46 ، 61 ، 74 ، 6 / 68 .